‏إظهار الرسائل ذات التسميات جنائي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات جنائي. إظهار كافة الرسائل

الجريمة المستحيلة وأثرها في المسؤولية الجناية

 

 


مقدمة :

تعد الجريمة المستحيلة أحد أعقد التحديات التي تواجه القضاء الجنائي، حيث تتجسد المشكلة في وجود نية إجرامية كاملة لدى الفاعل، لكن النتيجة المادية المقصودة لم تتحقق بسبب عائق خارج عن إرادته ومتعلق بالواقع المادي أو القانوني. فهم هذا المفهوم ضروري لتحديد ما إذا كانت المسؤولية الجنائية قائمة أم يجب نفيها، وهو ما يتطلب خطوات تحليلية دقيقة لتطبيق النصوص القانونية ذات الصلة. ([1])

المبحث الأول : ماهية الجريمة المستحيلة  ، واثرها في المسؤولية الجنائية

اولاً: تعريف الجريمة المستحيلة : الجريمة المستحيلة هي تلك الجريمة التي يستحيل فيها تحقق النتيجة الجرمية التي اتجهت اليها ارادة الفاعل على الرغم من بذله لكل نشاط يستطيع القيام به لتحقيق هذه النتيجة وبهذا هي تشابه الشروع التام في ناحيتين انه الجاني يستنفذ اي نشاط ممكن له وتخلف النتيجة الإجرامية . ([2])

اما الجريمة المستحيلة لدى شراح القانون فهي: الجريمة التي يستحيل فيها تحقق النتيجة الإجرامية ، إما لعدم صلاحية تنفيذ الفعل الذي باشره الفاعل أو لعدم كفايته وإما لتخلف المحل المادي للجريمة أو لعدم وجوده . ([3])

ثانياً: اثرها في المسؤولية الجنائية:

في الجريمة المستحيلة، يكون الركن المعنوي، وهو القصد الجنائي، متحققًا بالكامل. المتهم أراد ارتكاب الجريمة. المشكلة تكمن في الركن المادي. الحل لتحديد المسؤولية هو إثبات أن القصد الجنائي وحده لا يكفي للعقاب عندما يكون محل الجريمة غير قابل للتأثر بالفعل الإجرامي. العناصر الإضافية التي يجب تقديمها هي إثبات أن القصد بقي مجردًا ولم يترجم إلى فعل قادر على إحداث النتيجة.

يجب تقديم البراهين على أن الوسيلة التي اختارها الفاعل كانت خيالية أو غير كافية من الناحية الموضوعية. على سبيل المثال، إذا كان الهدف هو إتلاف وثيقة بصب الماء عليها وتبين أن الوثيقة مصنوعة من مادة مقاومة للماء، فإن القصد الإجرامي موجود، لكن الفعل مستحيل التحقيق. الحل المنطقي والبسيط هو نفي الصفة الجرمية عن الفعل بسبب الاستحالة المطلقة الناتجة عن خصائص محل الجريمة. ([4]).

 

 

المبحث الثاني: الفرق بين الجريمة المستحيلة والجريمة الخائبة:

تعد الجريمة المستحيلة صورة خاصة للجريمة الخانية أو الشروع الحالب، ففي كل منهما يستنفذ الجاني السلوك الإجرامي اللازم لتحقيق النتيجة الإجرامية، ومع ذلك لا تتحقق تلك النتيجة لسبب خارج عن إرادته.

 

إن الخلاف بينهما هو أن النتيجة الإجرامية الخائبة كان من الممكن تحقيقها لولا تدخل السبب الخارجي، بينما النتيجة الإجرامية في الجريمة المستحيلة كان من المستحيل تحقيقها منذ بداية اتخاذ السلوك الإجرامي .

 

ومن أجل الدقة في تشخيص الفرق بين الجريمة المستحيلة والجريمة الخائبة علينا تبيان عدم تحقيق النتيجة في الجريمة المستحيلة هي ليست عارضة، إنما تكون قائمة وقت مباشرة الجاني لنشاطه الإجرامي، وأن الوضع فيها لم يكن ليتغير لو قام به أي شخص آخر يوجد في مثل ظروف الجاني، فمثلاً كما أسلفنا إذا كان المعتدى عليه ميتاً قبل إطلاق الرصاص عليه، فهي كذلك أيا كانت الظروف التي أطلق فيها عليه الرصاص.

 

فالاستحالة في هذا المثال قائمة منذ لحظة مباشرة الجاني لنشاطه الإجرامي، ومن يستخدم سلاحاً غير صالح بطبيعته للاستعمال، كما أسلفنا أنفا، فعدم الصلاحية قائمة منذ لحظة البدء في التنفيذ.

أما في الجريمة الخائبة، فإن عدم تحقق النتيجة إنما تعرض لمرتكبها، وبعد البدء في التنفيذ، والعامل الأجنبي حال دون تحقيقها النتيجة بخصوص الجاني ذاته، فلو بذل الجاني

مزيداً من الدقة والحيطة لتحققت النتيجة، ولو نفذت الجريمة بمعرفة شخص آخر أكثر دراية لكانت نتيجتها قد تحققت بالفعل.

وبذلك يكمن الفارق بين الجريمة المستحيلة والجريمة الخائبة، في أن النتيجة الإجرامية الخانية كان من الممكن تحققها لولا تدخل السبب الأجنبي، بينما النتيجة الإجرامية في الجريمة المستحيلة كان من المستحيل تحقيقها منذ بداية اتخاذ السلوك الإجرامي، فالخيبة مختلة عند بده الجاني في الجريمة الخانية، ولكنها محققة عند بدء في الجريمة المستحيلة.

 

وتقاس خيبة الأمل غالبا النتيجة في كلا الجريمتين تقاس بعنصر الزمن، إن الجريمة المستحيلة تكون استحالة تحقيق النتيجة سابقة على البدء في التنفيذ، أو على الأقل معاصرة للحظة التنفيذ، كما لو ترك المجني عليه مكانه عند ضغط الجاني على زناد مسدسه وإطلاق الرصاص.

 

وفي الجريمة الخائبة نجد أن استحالة التنفيذ تطرأ بعد البدء في التنفيذ، كمن يطلق الرصاص على غريمه ولكن يخيب في إصابته لعدم الدقة في التصويب .

 

أما بالنسبة إلى الجريمة المستحيلة والجريمة الظنية، فهما يشتركان في أن الفعل ذاته إلى عدم وجود المحل التي ترد عليه الجريمة أو إلى عدم صلاحية الوسيلة، بشرط توافر المظهر الخارجي لعدم المشروعية أي مخالفة قانون العقوبات .

هذا بخلاف الجريمة الظنية فإنها لا توجد إلا في مخيلة الجاني واعتقاده القانوني الخاطئ ولا يوجد لها مظهر خارجي لعدم المشروعية، مثال ذلك من يهتك عرض فتاة يزيد عمرها عن ثمانية عشر عاماً برضائها معتقداً أن فعله يعاقب عليه القانون . ([5])

الخاتمة:

خلص البحث ان الجريمة المستحيلة هي التي يستحيل فيها تحقق النتيجة الإجرامية، إما لعدم صلاحية تنفيذ الفعل الذي باشره الفاعل أو لعدم كفايته وإما لتخلف المحل المادي للجريمة أو لعدم وجوده، وانه في الجريمة المستحيلة، يكون الركن المعنوي، وهو القصد الجنائي، متحققًا بالكامل .

 

 

قائمة المراجع :

اولاً : البحوث

1-    عبدالله محمد العصيمي – الجريمة المستحيلة بين الشريعة والقانون – بحث ماجستير – 1424هـ

ثانياً : مواقع الانترنت 

1-     دكتوراة في القانون الجنائي الدولي، المحامي بالجنايات والجنايات المستأنفة، مستشار ومدرب دولي معتمد في القانون الجنائي الدولي.

https://www.menafayq.com/action-for-rectifying-material-error-in-judgments        /

2-    موسوعة ودق https://wadaq.info / اخر زيارة الساعة4:33 

3-    مجلة جامعة اروى  https://www.researchgate.net/publication/371087561_aljrymt_almsthylt_fy_  alqwanyn_alqabyt almqar  اخر زيارة الساعة 10 مساءً

                                                                           اعداد / نورالعين علي شرهان

                                                                             إشراف/أ. سليمان الحميري



([1]) دكتوراة في القانون الجنائي الدولي، المحامي بالجنايات والجنايات المستأنفة، مستشار ومدرب دولي معتمد في القانون الجنائي الدولي.

https://www.menafayq.com/action-for-rectifying-material-error-in-judgments /

 

 

([2]) موسوعة ودق https://wadaq.info / اخر زيارة الساعة4:33 

([3]) عبدالله محمد العصيمي – الجريمة المستحيلة بين الشريعة والقانون – بحث ماجستير – 1424ه – الرياض – ص 70

([4]) دكتوراة في القانون الجنائي الدولي، المحامي بالجنايات والجنايات المستأنفة، مستشار ومدرب دولي معتمد في القانون الجنائي الدولي.

https://www.menafayq.com/action-for-rectifying-material-error-in-judgments /

 

 

([5])مجلة جامعة اروى  https://www.researchgate.net/publication/371087561_aljrymt_almsthylt_fy_alqwanyn_alqabyt

جريمة خيانة الأمانة

 إن جريمة خيانة الأمانة من الجرائم التي نص قانون الجرائم والعقوبات على تجريمها وذلك استناداً إلى نص المادة (318) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني: [يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات من ضم إلى ملكه مالاً منقولاً مملوكاً للغير سُلم إليه بأي وجه].

- أركان جريمة خيانة الأمانة هي:    

1-الركن المفترض:

يتحلل هذا الركن إلى عنصرين:

 العنصر الأول: المال موضوع الجريمة شروطه:

 1-منقولاً ذا قيمة مادية مثل: النقود، والبضائع، والأمتعة، والأوراق التي تتضمن إثباتاً لحقوق أو إبراءً من ديون كالكمبيالات والشيكات، أو ذا قيمة اعتبارية مثل: أوراق خاصة لها قيمة لدى صاحبها أو مذكرات شخصية أو غير ذلك مما له قيمة لدى صاحبه.

2-أن يكون له طبيعة مادية أي كيان ملموس، ولذلك فإن من يؤتمن على سر اختراع أو أفكار فيفضي بها أو يبيعها لا يُسأل عن جريمة خيانة الأمانة. 

3-أن يكون المال المنقول مملوكاً للغير، فإذا كان المال ملكاً للجاني فلا تقوم الجريمة حتى لو كان معتقداً أن المال مملوكاً للغير، غير أنه لا يلزم أن يكون المال كله غير مملوكٍ للجاني فيعتبر خائناً للأمانة الشريك الذي يتولى إدارة المال المشترك فيبدد جزءاً منه.

العنصر الثاني: التسليم السابق بقصد الحيازة الناقصة:

أ-معنى التسليم:

عمل قانوني قوامه انعقاد إرادتين على نقل الحيازة من شخص إلى آخر، ويشترط أن يصدر عن إرادة صحيحة فإذا كان قد تم نتيجة التدليس أو الاكراه فلا تقوم جريمة خيانة الأمانة وإنما تقوم جريمة نصب.

ب-حدوث التسليم:

ويُشترط لقيام الجريمة أن يكون قد تم تسليم المال موضوع الجريمة فإذا لم يحدث تسليم فلا تقع الجريمة ولو كان هذا المال في حيازة الفاعل، كما في حالة المدين الذي يدفع جزءاً من الدين ويتعهد للدائن أن يدفع الباقي ثم لا يقوم بالسداد.

والتسليم يحصل من المجني عليه إلى الجاني ويصح أن يتم التسليم من وكيل المجني عليه، كما يصح أن يتم التسليم إلى من ينوب عن الجاني.

ج-نوع التسليم:

التسليم قد يكون فعلياً أو عن طريق المناولة يداً بيد، وقد يكون اعتبارياً بتغيير نوع الحيازة، كما أن التسليم قد يكون رمزياً صرفاً فلا يقع تسليم المال محل الجريمة وإنما يتم تسليم أشياء أخرى تعد رمزاً لها كتسليم مفتاح السيارة.

د-بقصد الحيازة الناقصة:

بمعنى أن المستلم يكون قد استلم الشيء على ذمة مالكه لحفظه أو استعماله في أمرٍ معينٍ لمنفعة المالك أو غيره ورده بعد ذلك إلى المالك أو من كفله المالك بتسليمه إليه، ويترتب على ذلك أن يخرج من نطاق النص الخاص بجريمة خيانة الأمانة التسليم بقصد الحيازة الكاملة والتسليم العارض.

التسليم بقصد الحيازة الكاملة:

العامل الذي يقبض أجراً على عمل تم الاتفاق عليه مع صاحب العمل سلفاً ثم يتصرف بالأجر ولا يفي بالتزاماته بالقيام بالعمل الذي سبق وأن تم الاتفاق عليه لأنه تسلم الاجر على سبيل الحيازة الكاملة.

التسليم العارض:

إذا تسلم الشخص منقولاً مملوكاً لغيره للاطلاع عليه تحت اشراف ورقابة صاحبه ثم أنكر استلام الشيء أو أبى رده فلا يعد مرتكباً لجريمة خيانة أمانة وإنما يُسأل عن جريمة سرقة.

2-الركن المادي:

يتمثل هذا الركن في أمرين:

 أ-الاختلاس:

(هو قيام الجاني بممارسة سلطات المالك على الشيء دون أن يترتب على ذلك خروج الشيء من حيازته)

وقد يُستفاد الاختلاس من الامتناع عن رد الشيء لصاحبه، غير أن التأخير في رد الشيء أو الامتناع لا يتحقق به السلوك الاجرامي لجريمة خيانة الأمانة ما لم يكن مقروناً بنية تملكه.

ب-التبديد:

(هو قيام الجاني بممارسة سلطات المالك على الشيء بما يخرجه من حيازته كالبيع أو الاستهلاك أو الهبة للغير مما يحول دون إمكان رده إلى صاحبه).

ولا يكفي مجرد خروج الشيء من حيازة الأمين لتوفر التبديد وإنما لا بد أن يسبق ذلك أو يقترن به اتجاه إرادة الأمين إلى تغيير الحيازة من ناقصة إلى كاملة، وبالتالي لا يعد تبديداً مجرد تسليم الأمين الشيء المؤتمن عليه إلى غيره ما لم يثبت أنه قصد من وراء ذلك التصرف تملك الشيء والظهور عليه بمظهر المالك.

3-الركن المعنوي:

يتمثل هذا الركن في أمرين:

 أ-العلم: لا بد أن يعلم الجاني أنه تسلم المال على وجه الحيازة الناقصة، فإذا اعتقد الجاني أنه تسلم المال على سبيل الحيازة الكاملة فان القصد الجنائي ينتفي.

ب-الإرادة: يجب أن تتجه إرادة الجاني إلى ضم المال إلى ملكه، ولذلك لا يمكن اعتبار المتهم مرتكباً لجريمة خيانة الأمانة لمجرد امتناعه عن رد المنقولات التي تسلمها لإصلاحها مع وجود نزاع جدي على مقدار الاجر وعدم الوفاء به كاملاً.

جريمة خيانة الأمانة على عامل مندوب المبيعات:

إذا كانت البضائع محل الجريمة قد دخلت حيازة العامل ابتداءً حيازة كاملة ودائمة بعلاقة قانونية صحيحة كمندوبي المبيعات براتبٍ شهري الذين يتسلمون بضاعة من الشركة بحكم عملهم كمندوبين ولم يحصلوا أثمانها أو يوردوها إلى خزينة الشركة، ينشـأ بذلك الحق للعامل التصرف بالبضائع المباعة لنفسه ولحسابه؛ إذا كان الثابت أن الشركة قامت ببيع البضاعة لهم بفواتير وكشوفات حساب تثبت ذلك ولو كانت الفواتير آجلة وبسعر محدد باعتبارهم عميلين طالما لم يتم تسليم البضائع كعهدة.

وكون البيع مشروطاً بأن يدفع الثمن لاحقاً فلا حق للمدعي بعد ذلك سوى المطالبة بالوفاء بالالتزام التعاقدي تسليم الاثمان الآجلة للبضائع المباعة له.

ومع افتراض تنصل العامل عن الوفاء بالالتزام التعاقدي تسليم اثمان البضاعة فلا تنشأ مع ذلك جريمة خيانة الأمانة في مواجهته بأي حالٍ من الأحوال كون المعلوم أنه يُشترط لقيام الجريمة أن تنتقل الحيازة في المال المنقول إلى يد الجاني بصورة حيازة مؤقتة فقط، ثم يقوم من تلقاء نفسه بتغيير حيازته الناقصة للمال إلى حيازة كاملة ودائمة يجحد معه حق مالكها عليها ويتصرف بها تصرف المالك 

هل يجوز التمسك بأن العامل يعمل لدى الشركة كمندوب مبيعات براتب شهري ولا تناكر على ذلك وبالتالي تقوم جريمة خيانة الأمانة لأن البضائع تتبع الشركة؟

 المعلوم أن مقتضى عقود الأعمال الخاصة أن تكون المهام والاعمال المتفق عليها منسوبة ولمصلحة رب العمل، وتكون التزامات العامل لدى تنفيذ العمل محل التعاقد مرجعها عقد العمل ومسؤوليته تؤسس على الاخلال بالعقد المبرم بينهما، إلا أنه إذا تبين أن رب العمل قد اتجه بعد التعاقد مع العامل ابتداءً إلى إنشاء علاقة قانونية أخرى مغايرة لمقتضى ما تضمنته علاقة عقد العمل وهي تسليم البضائع له بصفة متعاقد في علاقة بيع بالآجل هو أحد طرفيها المشتري، وعليه فان التزامه بالوفاء بأثمانها نابع من علاقة البيع الموثقة بينهما بفواتير البيع وكشوفات الحساب وليس من عقد العمل الموقع بينهما.

ما هي الحالة التي يمكننا معها تغيير التكييف القانوني لاستيلاء العامل على مال رب العمل من خيانة أمانةٍ إلى سرقة؟

 بناءً على ما سبق نستطيع القول بأن الخط الفاصل هنا يكشفه الركن المادي لخيانة الأمانة في عنصره الأول (ركن التسليم)، فلوقوع جريمة خيانة الأمانة لابد - كما ذكرت أعلاه - من تسليم المال المثلي أو العيني من المجني عليه (رب العمل) إلى الجاني (العامل)، فانتفاء ركن التسليم يغير التكييف القانوني للجريمة، فإذا استولى العامل على مال رب العمل دون أن يقوم الأخير بتسليم المال للعامل، شكَّل فِعْلُ العامل جريمةَ السرقة وليس جريمة خيانة الأمانة، فخيانة الأمانة لا تقع إلا إذا تم تسليم المؤتمن عليه إلى الجاني، فالتسليم واجبٌ لقيام جريمة لخيانة الأمانة، ولا يتصور قيام الأمين باستعمال الشيء أو التصرف فيه إلا إذا كان المال بحوزته قبل ارتكاب الجريمة.

 

إعداد سمر عبد السلام

شركة الربيعي وشركاؤه للخدمات القانونية

 

قتل الواحد بالجماعة

 

قتل الواحد بالجماعة

ذهب القانون اليمني الى تقرير القصاص من الجماعة بالواحد وذلك ما صراحة به المادة (58) من القرار الجمهوري رقم (12) لسنة 1994م بشأن الجرائم والعقوبات بما نصه:

(يقتص من الرجل بالمرأة، ومن الجماعة بالواحد مهما تعدد الجناة).

ومن الاحكام الشرعية الإسلامية التي اخذ بها جمهور الفقهاء لقتل الجماعة بالواحد وادلتهم :

من القران الكريم:

قوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون) (البقرة –179).

أن الله عز وجل أوجب القصاص لاستبقاء الحياة، وذلك: أنه متى علم الإنسان أنه إذا قتل غيره قتل به.. لم يقدم على القتل، فلو قلنا: لا تقتل الجماعة بالواحد لكان الاشتراك يسقط القصاص، فسقط هذا المعنى، وفي ذلك تفويت لما شرع القصاص من أجله وهو حفظ الأرواح، وصون الحياة من عبث العابثين.(2)

ان السلطان هو القصاص، ولم يفرق بين أن يقتله واحد، أو جماعة ، قال تعالى: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً) (الإسراء–33)

وقوله تعالى: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها، فكأنما أحيا الناس جميعاً) (المائدة: 32).

فهذا النص يفيد أن القاتل، سواء كان واحداً أم كان أكثر من ذلك، قد أعتدى على حق الحياة، وكأنه لم يقتل واحداً، بل قتل أكثر من واحد، وكأنه اعتدى على الجماعة كلها، فكان موجب القصاص، أن من يعتدي على حق الحياة يقضي على حياته، ولاشك أن الجماعة إذا اشتركوا في قتل واحد، يؤخذ كل واحد بجريمة القتل، ويقادون على ما فعلوا، ولا شطط ولا مجاوزة للحد إذا ما قتلوا جميعاً.(3)

 

من السنة النبوية

ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ( ثم أنكم يا معشر خزاعة قتلتم هذا الرجل من هذيل، وإني عاقله، فمن قتل له قتيل بعد اليوم، فأهله بين خيرتين: أما أن يقتلوا أو يأخذوا العقل)(4)

وهذا الخبر وارد في قتل الجماعة بالواحد، لأنه قال: أنكم يا معشر خزاعة قتلتم هذا الرجل من هذيل، ثم قال فمن قتل له قتيل بعد اليوم، ومن تستغرق الجماعة والواحد، ثم قال: فأهله بين خيرتين:

(إما أن يقتلوا أو يأخذوا العقل)، فدل على قتل الجماعة بالواحد، لأن الحكم إذا ورد على سبب لم يجز أن يكون السبب خارجاً عن ذلك الحكم.(1)

ما روي عن عمر رضي الله عنه (أنه قتل نفراً خمسة أو سبعة برجل من صنعاء قتلوه غيلة، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلهم به جميعاً)(2) وفي البخاري (أن غلاماً قتل غيلة، فقال عمرو: لو اشترك فيها أهل صنعاء لقتلتهم، وقال مغيرة بن حكيم، عن أبيه: (أن أربعة قتلوا صبياً فقال عمر مثله)(3)

وأيضاً ما روي عن الإمام بن أبى طالب كرم الله وجه أنه قتل بعض الخوارج لقتلهم عبدالله بن خباب رضي الله عنه، فإنه توقف عن قتالهم حتى يحدثوا فلماذا ذبحوا عبدالله بن خباب كما تذبح الشاه، وأخبر على بذلك قال: الله أكبر نادوهم أن أخرجوا إلينا قاتل عبدالله بن خباب فقالوا: كلنا قتلناه ثلاث مرات، فقال علي لأصحابه (دونكم القوم، فقتلوهم بقتل عبدالله بن خباب).

وأيضاً ما روي عن ابن عباس أنه قال: (إذا قتلت جماعة واحداً قتلوا به ولو كانوا مائة).(4)

القياس: إن القصاص عقوبة تجب للواحد على الواحد، فوجبت للواحد على الجماعة كحد القذف فلو قذف جماعة واحداً وجب له الحد على الجماعة، والأولى من ذلك أن يقتل الجماعة بالواحد؛ لأن قتل النفس أغلظ من هتك العرض، وأيضاً فإن الدية تجب في قتل الواحد، وقتل الجماعة، فكذا القصاص يجب عند قتل الجماعة للواحد كإيجابه عند قتل الواحد بالواحد.(5)

أنه من المعلوم أن القتل بغير حق غالباً لا يكون إلا بالتغالب والاجتماع؛ لأن الواحد يقاوم الواحد؛ فلو لم نوجب القصاص على الجماعة بقتل الواحد لأدى ذلك لسد باب القصاص وفتح باب التغالب، ويسهل على الأشرار أن يتعاونوا على الإثم والعدوان، ويقتلوا من يشأؤن مؤيد بأن الجماعة لا تقتل بالواحد.(6)

وأيضاً فإن الحكمة والزاجر الأعظم إنما هو في القصاص لا في الدية، فإن دفع الدية يسهل على أهل الأموال، ويسهل أيضاً على الفقراء؛ لأنهم يعذرون عن الدية بسبب فقرهم، فإذا ثبت قتل الجماعة للواحد، فالاقتصاص منهم جميعاً هو ما تقتضيه الحكمة التشريعية الثابتة في كتاب الله عزوجل، ولهذا شبه قاتل النفس بمن قتل الناس جميعاً.(7)

 



(2)  السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، للعلامة محمد بن علي الشوكاني، ج4، ص397، 398 ، الناشر دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط1 ، 1985م.ج4، 398.

(3)  الإمام محمد أبو زهره، ص369 .

(4)  انظر الترمذي في الجامع الصحيح، برقم (1410)، ص433، الناشر دار ابن حزم، لبنان، الناشر دار ابن حزم، لبنان، ط1،
1422هـ-2002م، سنن أبى داود، لأبى داود سليمان ابن الأشعث رقم (4504) ص 683،الناشر، دار ابن حزم، لبنان ط1، 1419هـ -1998م

(1)  الحاوي، الكبير ، للماوردي، المرجع السابع ج12/28 استاذنا د/ عبدالمؤمن شجاع الدين المرجع السابق ص116.ج12/28.

(2)  شرح الزرقاني على موطأ مالك ، للزرقاني ج4/318 ، الناشرمكتبة الثقافة الدينية ، القاهرة، ط1، 2002م.

(3)  صحيح البخاري، لأبى عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري، رقم (6896) ، ص1272، الناشر دار ابن حزم ط1، لبنان، 1424 – 2003م. 

(5)  انظر: استاذنا د/ عبدالمؤمن شجاع الدين، المرجع السابق ص117، د/ أمير عبدالعزيز ، الفقه الجنائي في الإسلام، ص83 ، الناشر دار السلام ، ط1، 1997م.

(6)  المبسوط للسرخسي 26/127، البحر الرائق، المرجع السابق 7/48، الإمام أبو زهره المرجع السابق ص370.

 المساهمة في جريمة القتل العمد دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي والقانون اليمني)القاضي/ محمد ال برغشي

منقول