يقصد بالوفاء من
الغير قيام شخص غير المدين الأصلي بتنفيذ الالتزام أو بسداد الدين المستحق للدائن،
سواءً أكان لهذا الشخص مصلحة في الوفاء، كالكفيل والشريك في الدين، أم لم تكن له
مصلحة في ذلك، وقد أجازت الشريعة الإسلامية والقانون هذا النوع من الوفاء؛ متى ما كانت
الغاية منه ابراء ذمة المدين واستيفاء الدائن حقه.
الأساس القانوني
للوفاء من غير المدين:
نظّم القانون
المدني اليمني هذه المسألة في المادة (397) وما بعدها، إذ نصّت صراحةً على جواز
الوفاء من غير المدين بقولها: "يصح الوفاء
من المدين او من نائبه، او من شخص له مصلحة في الوفاء كالشريك في الدين والكفيل،
كما يصح ممن ليست له مصلحة في الوفاء ولو كان ذلك دون علم المدين..."([1]) ،
ويتضح من هذا النص أن الذي يقوم بالوفاء إما أن يكون:([2])
1- المدين أو نائبة.
2- أو شخص له مصلحة في وفاء الدين.
3- أو أجنبياً لا مصلحة له في الوفاء.
فكون الوفاء تصرف
قانوني فإنه يجوز أن يتم بطريق النيابة ككل تصرف قانوني آخر، ويقصد بنائب المدين
هو وكيله في وفاء الدين، وكالة عامة إذا كان الوفاء من أعمال الإدارة، ووكالة خاصة
إذا كان من أعمال التصرف.
-
الموفي هو شخص له
مصلحة في وفاء الدين:
إذا لم يكن الوفاء
متعيناً على المدين بالذات، جاز ان يقوم بالوفاء لا المدين ولا نائبة بل شخص آخر
له مصلحة في هذا الوفاء، ويقوم حقه في الوفاء على هذه المصلحة وقد يكون
المدين المتضامن، أو المدين مع غيره في دين لا يقبل الانقسام، وكذلك قد يكون
الموفي هو الكفيل الشخصي للمدين بغض النظر عن كونه كفيل متضامن أم غير متضامن وحين
الوفاء بالدين فإنهم يحلون حلولاً قانونياً محل الدائن في الرجوع على المدين ([3]).
-
الموفي هو أجنبي لا مصلحة له في الوفاء:
في هذه الحالة
يكون الموفي هو مجرد شخص أجنبي لن تعود عليه ثمة مصلحة من الوفاء بدين المدين وعلى
الرغم من ذلك يقوم بالوفاء بهذا الدين، ومن الناحية القانونية لا يهم تحديد هوية
هذا الشخص سواء كونه من أقارب المدين أو صديقاً له أو شريكاً يعمل معه، لأن وصفه
في القانون – أي كانت صفته – يغلب عليه أن يكون فضولياً ولا يكون للأجنبي في هذه
الحالة أن يحل محل الدائن حلولاً قانونياً في الرجوع على المدين، وانما يجوز له
الحلول الاتفاقي ([4]).
والاستثناء من
هذا هو ما ورد في نهاية نص المادة المذكورة -397- إذ صرّحت بجواز رفض الدائن
الوفاء من الغير في حالتين ([5]):
-
إذا اعترض
المدين على ذلك وابلغ الدائن باعتراضه.
-
إذا كان متفقاً
على أن يقوم المدين بنفسه بتنفيذ التزامه أو كانت طبيعة الحق نفسه تقتضي ذلك (كأن
يكون الالتزام بالتنفيذ بناءً على اتفاق أو اعتبار شخصي).
وفيما يتعلق
برجوع الموفي (الغير) على المدين الأصلي فقد نصّت المادة (398) من ذات القانون
أنه: "للغير الذي وفى الحق بالرجوع على المدين بقدر ما دفعه، إلا إذا
كان المدين قد اعترض على الوفاء واثبت أن له مصلحة في هذا الاعتراض، أو كان
الغير متبرعاً بما وفاه عنه"، والمصلحة المشروعة في الاعتراض كأن
يكون الدين متنازعاً عليه، مقضياً بالمقاصة.
الآثار المترتبة على الوفاء من غير
المدين:
ومفاد ما تمّ
ذكره، أن الوفاء من قبل الغير تترتب عليه مجموعة من الآثار تتوزع على ثلاث علاقات
قانونية رئيسية وهي:
·
العلاقة بين
الموفي (الغير) والدائن:
1. انقضاء حق الدائن بوقوع الوفاء صحيحاً فيستوفي الدائن حقه وتنقضي
سلطته المطالبة بالدين تجاه المدين.
2. عدم جواز الرجوع، فلا يحق للدائن المطالبة بالدين مرة أخرى، كما لا
يحق للموفي استرداد ما دفعه للدائن طالما كان الوفاء مستحقاً وصحيحاً.
·
العلاقة بين الموفي
والمدين (طرق الرجوع):
ويتوقف حق
الغير الموفي في الرجوع على المدين استناداً إلى قصد الموفي (قصد التبرع) وصفته
فإن كان الوفاء بنية التبرع فإنه لا يجوز للموفي الرجوع على المدين بشيء، وبنقضي
الالتزام نهائياً.
إما إذا أوفي بالدين غير المدين -سواءً كان
للموفي مصلحة أم لا- فإنه يجوز له الرجوع على المدين بما وفاه عنه طريق دعوى
شخصية على المدين يسترد بها مقدرا ما دفعه وفاءً للمدين ففي هذه الحالة يرجع
على المدين بدعوى شخصية قوامها الفضالة واما الاثراء بلا سبب ([6]).
وقد يكون له فوق ذلك دعوى الدائن نفسه الذي وفاه حقه فيحل محله فيه وتسمى هذه
الدعوى بدعوى الحلول. وحلول الموفي محل الدائن إمام أن يكون بحكم القانون
ويقال له الحلول القانوني ويكون وفقاً لنص القانون كما نصت على حالاته في المادة
(400) من القانون المدني بقولها: " يحل الغير الذي وفى الحق محل الدائن في الاحوال الاتية:
-
1- إذا كان الموفي ملتزماً بالحق مع المدين أو ملتزماً بالوفاء عنه. 4- إذا
نص القانون على حق الحلول للغير الذي وفى الدين."
وإما أن يكون الحلول بموجب
اتفاق ويقال له الحلول الاتفاقي، ويتم الحلول بالاتفاق مع الدائن بأن يتفق الدائن
مع الغير الذي وفى له حقه، على أن يحل الغير محله في الحق الذي وفاه -لا ضرورة
لرضاء المدين في ذلك- على أن يكون الاتفاق بين الدائن والموفي (الغير) وقت الوفاء
منعاً للغش ([7]).
والخلاصة أن الوفاء من
غير المدين هو تصرف صحيح وجائز قانوناً طالما لم تكن شخصية المدين محل اعتبار في
تنفيذ الالتزام، ويؤدي الوفاء الى انقضاء حق الدائن وإبراء ذمة المدين في مواجهته،
الا أن هذه الابراء لا يكون بصفة مطلقة بل قد ينقل الالتزام ليشغل ذمته تجاه
الموفي (الغير) إن لم يكن الوفاء بنية التبرع أو لم يعترض المدين لمصلحة مشروعة.
المراجع:
1.
القانون المدني اليمني
رقم 14 لسنة 2002م.
2.
عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون
المدني، الجزء الثالث، دار النهضة العربية، 1984م، ص 770.
3.
أ. أحمد منصور، مقالة بعنوان "أحكام وفاء
دين الغير"، منصة حماة الحق، 9/27/2021م، على الرابط التالي:
4.
https://jordan-lawyer.com/2021/09/27/paying-the-debt-of-others/#_ftn2
5.
بن ددوش نضرة، انقضاء الالتزام دون الوفاء
به في القانون الوضعي والفقه الإسلامي، أطروحة لنيل درجة الدكتوراه، 2010-2011م،
جامعة وهران، ص5.
إعداد/ حنين حامد الرضي
إشراف الأستاذ/ سليمان نبيل الحميري
[1] القانون المدني
اليمني رقم 14 لسنة 2002م.
[2] عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء الثالث،
دار النهضة العربية، 1984م، ص 770.
[3] أ. أحمد منصور، مقالة بعنوان "أحكام وفاء دين الغير"، منصة
حماة الحق، 9/27/2021م، على الرابط التالي:
https://jordan-lawyer.com/2021/09/27/paying-the-debt-of-others/#_ftn2
[4] عبد
الرزاق السنهوري، مرجع سابق، ص 773.
[5] القانون المدني اليمني، الباب الأول، انقضاء الحق بالوفاء.
[6] عبد
الرزاق السنهوري، مرجع سابق، ص778.
[7] بن ددوش
نضرة، انقضاء الالتزام دون الوفاء به في القانون الوضعي والفقه الإسلامي، أطروحة
لنيل درجة الدكتوراه، 2010-2011م، جامعة وهران، ص5.