الحجية الكاشفة لولاية هيئة الأوقاف وضوابط الضبط الإداري وفق قانون الوقف الشرعي رقم (23) لسنة 1992م
أولاً: في بيان طبيعة الهيئة كجهة كاشفة للحق لا منشئة له
يستوجب المنطق القانوني والشرعي تقرير أن الوقف "تصرف إرادي" ينعقد بكلمة الواقف وشروطه، ولا دخل لإرادة الهيئة في إنشائه؛ وبإنزال نص المادة (89) التي تنص على انه : "قيام وزارة الاوقاف والارشاد بالولاية على الاوقاف العامة التي تحت نظارتها وبقاء الولاية الخاصة على الوقف المتعلق بمسجد وتوابعه لمن هي ثابتة له شرعا يجب على كل متولي لوقف من هذا النوع خلال شهرين من تاريخ توليه لهذا الوقف ابلاغ وزارة الاوقاف او الحاكم المختص بالوقف الذي يتولى عليه مع بيان اسم الواقف ونوع الوقف وتعيين املاكه ومصرفه وتسليم صور من مستندات الوقف ، وذلك اذا لم يكن قد سبق الابلاغ عن الوقف وتسليم صور من مستنده ، ويجب على الجهة المختصة او الحاكم المختص فور ابلاغ ايهما ابلاغ الاخر وقيد بيانات الوقف في الدفتر المعد لذلك اذا لم يكن قد سبق قيده ويجب على الادارة المختصة محاسبة متولي الوقف طبقا لما هو منصوص عليه في هذا القانون وطبقا للمعمول به في هذا الشأن.".
نجد أن المشرع حصر مهام الهيئة في "قيد بيانات الوقف في الدفتر المعد لذلك ". وبالاستقراء اللغوي، فإن "القيد" ، وهو إثبات لواقع، وهي عملية اخباريه كاشفة لما هو ثابت في "المسودات" الأصلية. بناءً عليه، لا تملك الهيئة سلطة إنشاء "وقفية" على مال بقرار إداري محض، بل يظل دورها (كاشفاً للحق) المسبق، وتظل سجلاتها حججاً تقبل إثبات العكس أمام القضاء، عملاً بالقاعدة الأصولية (الأصل في الأموال الحل حتى يثبت الوقف).
ثانياً: في قصر دور الهيئة على الضبط الإداري دون التنفيذ القضائي
نص المشرع في مادة(76) من قانون الوقف التي تنص على انه :"يجب على المتولي تقديم حساب مؤيد بالمستندات للجهة المختصة كل عام،وعلى الجهة المختصة فور تقديم الحساب فحصه واصدار قرارها فيه".
وفي المادة(80) من ذات القانون على انه :"اذا تاخر المتولي عن تقديم الحساب في موعده او تقديم المستندات المؤيدة له وطالبته الجهة المختصة بذلك فلم يمتثل جاز لها وقفه عن مباشرة اعمال الولاية وتنصيب منصوب مؤقت الى ان يقدم ما تاخر في تقديمه واذا قامت قرائن على ان المتولي فرط او خان جاز للجهة المختصة وقفه عن مباشرة اعمال الولاية ونصبت منصوبا مؤقتا له الى ان يتم فحص الحساب وتظهر براءة المتولي".
وفي المادة(82) التي تنص على انه : "اذا تبينت الجهة المختصة خيانة المتولي فعليها تقديمه لجهات الضبط لعقابه".
وايضاً المادة(88) "تقوم وزارة الاوقاف والارشاد بمقتضى الولاية العامة بتنظيم وادارة شئون الاوقاف العامة وحمايتها والمحافظة عليها، ومن ذلك اوقاف الترب والاوقاف الصحية كما تقوم بالاشراف والمحاسبة للاوقاف التي يشترط فيها النظارة لاحد مستحقيها طبقا لما هو منصوص عليه في هذا القانون".
ويلاحظ من نصوص المواد سالفة الذكر ان المشرع اليمني منح موظفي الهيئة صلاحيات الضبط الإداري ، وهو ما يحدد اختصاصهم في إطار (المعاينة، والتفتيش والمحاسبة ، ورصد المخالفات، وتحرير المحاضر ، فحص الحسابات ، الرقابة على الأوقاف وادارتها )؛ وبالرجوع إلى اللائحة التنظيمية للهيئة والمنشور عبر موقع مكتب النائب العام، نجد أن اختصاصات الإدارة القانونية تنحصر في "تمثيل الهيئة أمام القضاء". وهذا التوصيف يقطع بأن الهيئة هي "طرف ومدعٍ" وليست "قاضياً أو منفذاً"؛ إذ لا يجوز منطقاً أن تجتمع في خصمٍ واحدٍ صفة الخصومة والولاية التنفيذية، مما يجعل دور الهيئة محصوراً في (الضبط الإداري) للوثائق والمخالفات، بينما يظل "اقتضاء الحق" منوطاً بالسلطة القضائية وحدها وفقاً لقانون المرافعات والتنفيذ المدني.
ثالثاً: في حظر الاستيلاء بالقوة أو التنفيذ المباشر للمسودات
يُعد لجوء الهيئة إلى انتزاع الأعيان من حائزيها "بالقوة المادية" أو "الأطقم العسكرية" استناداً إلى مسودات تاريخية إجراءً معدوم الأثر قانوناً وغصباً لسلطة القضاء؛ فالمسودة الوقفية -مهما بلغت صحتها- هي (وسيلة إثبات) تُقدم للمحكمة وليست (سنداً تنفيذياً) يبيح الاستيلاء المباشر. إعمال بنص(326) من القرار الجمهوري اليمني رقم (40) لسنة 2002م بشأن قانون المرافعات والتنفيذ الجبري التي تنص على انه:"1- لا يجوز إجراء التنفيذ الجبري إلاَّ بسند تنفيذي اقتضاء لحق محقق الوجـود ومعين المقدار وحال الأداء".
كما اوجب المشرع اليمني أن يتم التنفيذ الجبري عبر قاضي التنفيذ المختص في المحكمه التي صدر فيها الحكم وبموجب "حكم قضائي نهائي او بات "، ولا تملك الهيئة -باعتبارها جهة إدارة- سلطة التنفيذ الذاتي لإخلاء المواطنين أو الحجز على ممتلكاتهم. إن أي استيلاء بالقوة بعيداً عن أقنية القضاء يخرج عن نطاق "الولاية العامة" ليدخل في حيز (التعدي المادي) وجرائم استغلال النفوذ، إذ إن ولاية الهيئة هي "ولاية رعاية وإدارة" تهدف لحماية الوقف بالوسائل القانونية، لا بالاعتداء على الحيازات المستقرة ، وهذا القعل يعد مخالفاً لمبدأ المشروعية .
رابعاً: في استقلال المركز القانوني للحائز أمام تعسف الإدارة
يستقر الفقه والقضاء اليمني على أن "الحيازة دالّة على الملكية"، ولا تُنزع من الحائز إلا ببينة شرعية وحكم قضائي وفقاً للمادة (1111) القرار الجمهوري اليمني رقم (14) لسنة 2002م بشأن القانون المدني التي تنص على انه: "من كان حائز لشيء او حق اعتبر مالكاً له مالم يقم الدليل على غير ذلك ".
وبالتطبيق على واقع عمل الهيئة، فإن قراراتها الإدارية هي قرارات "تنظيمية داخليّة" لا تسري في حق الغير إلا إذا تأيدت بحجج قضائية. كما ان اللائحة التظيمية لقانون الوقف الشرعي نصت على ان من اختصاصات الهيئة لإشراف والرقابة على الأوقاف وهذا يمنع إلادارة من مصادرة الحقوق أو فرض واقع مادي جديد بالقوة. وعليه، فإن أي إجراء تنفيذي تتخذه الهيئة (هدم، إخلاء، منع بناء) دون سند تنفيذي قضائي هو تغول إداري يستوجب المساءلة، ويحق للمواطن التمسك بحقه في "كف الخطاب" ومقاضاة الموظف المتجاوز بصفته الشخصية والإدارية.
الخلاصة الاستنتاجية
الهيئة العامة للأوقاف هي (أمينٌ كاشف) مأمور بالحصر والضبط، ولا تمتلك سلطة التنفيذ الجبري ؛ طريقها للحق هو الإحالة للقضاء المختص وسلطتها تقف عند حدود "الضبط الإداري". كل إجراء مادي قسري تتخذه الهيئة خارج هذا الإطار يعد مخالفاً لمبدأ المشروعية ويترتب علبه البطلان لمخالفته ، وايضاً يعد مخالفاً لأصل الولاية الممنوحة لها بموجب قانون الوقف ولائحته التنفدية
مراجعة أ/ آية منير الصلوي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق