المحكمة المختصة في قضايا منشأة الصرافة في القانون اليمني

 إن المحكمة المختصة في قضايا منشأة وشركات الصرافة في المناطق التي لا توجد فيها محكمة تجارية هي المحكمة التجارية التي تقع في دائرة اختصاصها وليست المحكمة ذات الولاية العامة وذلك لعدة أمور نشرحها على النحو الاتي: -

لقد نصت المادة (3) من قرار انشاء المحاكم التجارية رقم (19) لسنة 2003 على: [أ-تختص المحاكم التجارية بالنظر في الدعاوى والمنازعات ذات الطابع التجاري وفقا للقانون التجاري والقوانين الأخرى ذات الصلة.

ب-يبقى الاختصاص الوارد في الفقرة السابقة من هذه المادة منعقداً للمحاكم الابتدائية ذات الولاية العامة في عواصم المحافظات والمديريات التي لا يوجد فيها محاكم تجارية عدا قضايا الإفلاس والبنوك والعلامات والاسماء التجارية والقضايا التي تتعلق بالشركات الأجنبية او التي يكون أحد أطرافها عنصراً اجنبياً].

الأمر الأول: معنى (البنوك) الواردة في النص السابق:

نرى أن المقصود بالبنوك في المادة السابقة هو أعمال البنوك بشكل عام (المعيار الموضوعي) وليس القضايا المرفوعة من وعلى البنوك فقط (المعيار الشخصي) كما قد يوحي ظاهر النص؛ لأن الحكمة من جعل الاختصاص لقضايا البنوك للمحكمة التجارية حصراً متوفرة في المعيار الشخصي والموضوعي على حدٍ سواء وهذه الحكمة هي أن البنوك وأعمال البنوك-والتي تمارس الصرافة جزء يسير منها-هي منظمة في قوانين تتبع للقانون التجاري وتعد فرعاً رئيسياً من فروعه.

وبالتالي من غير المنطقي أن يقصد النص المعيار الشخصي فقط فلا تكون المحكمة التجارية مختصة إلا في قضايا مرفوعة من وعلى البنوك فقط ويتجاهل قضايا شركات ومنشأة الصرافة بالرغم من أنها تمارس عملاً من أعمال البنوك -كما سنرى-، وتخضع كذلك لقانون يتبع القانون التجاري بشكل رئيسي وهو قانون أعمال الصرافة، وتخضع لإشراف مباشر من البنك المركزي وملزمة بالتعليمات والقرارات الصادرة منه.

هذا من جانب، ومن جانب اخر فإنه بالتأمل والتمعن في القضايا المذكورة في النص التي استثناها المقنن اليمني وحصر نظرها للمحكمة التجارية حتى وان لم توجد في دائرة اختصاصها محكمة تجارية ومنع المحكمة ذات الولاية العامة من نظرها، نجد أن الجامع المشترك فيها هو انها قضايا تجارية ذات طابع دقيق تتطلب فهماً قوياً للقوانين التجارية وخبرة ومعرفة خاصة بالطبيعة التجارية، والمحاكم ذات الولاية العامة لا تمتلك الخبرة المتخصصة والمعرفة الكافية للفصل في النزاعات المتعلقة بهذه القضايا، وبالنظر الى طبيعة قضايا الصرافة نجد انه ينطبق عليها المعيار المشترك الذي بنى المقنن اليمني على أساسه استثناءه الوارد في نص المادة، فهي قضايا تحتاج الى معرفة متخصصة؛ لأن طبيعة عمليتها معقدة ومتشعبة فهي تشمل تحويلات داخلية وخارجية، وعملات متعددة، وفروقات أسعار الصرف، وأنظمة الكترونية خاصة، وشبكات حوالات مالية، وتتعلق بمبالغ ضخمة وتحويلات تكون لها تبعات اقتصادية، وتحتاج في بعض الحالات الى الخبرة المحاسبية؛ لأن هناك جزء من نزاعاتها يتعلق بفروقات في الأرصدة وأسعار الصرف أو العمولات، وتخضع للوائح وتعليمات وتعميمات ومنشورات تنظيمية خاصة صادرة من البنك المركزي لها طابع الالزام كـ المنشور الدوري رقم (6) لسنة 2021م بشأن التعليمات التنظيمية لأعمال الحوالات المالية عبر قطاع الصرافة، وغيره.

الأمر الثاني: أعمال الصرافة هي جزء من أعمال البنوك وما يثبت ذلك الآتي: -

أولاً/ لقد عرفت المادة (2) من قانون البنك المركزي رقم (14) لسنة 2000م في الفقرة (ط) الصرافة بقولها: [الصرافة شراء وبيع العملات الأجنبية].

وكذلك عرفت المادة (2) من قانون اعمال الصرافة رقم (19) لسنة 1995م، أعمال الصرافة بأنها: [التعامل بالعملات الأجنبية].

وعرفت المادة (2/ز) من قانون البنك المركزي البنوك بقولها: [البنوك: الأشخاص الاعتباريون الذين يمارسون بصفة أساسية الاعمال المصرفية....].

ونصت ذات المادة في الفقرة التالية مباشرة (ح) على الاعمال المصرفية وعددتها تفصيلاً وذكرت من بينها شراء وبيع العملات الأجنبية بقولها: [العمل المصرفي:....2-وتعد أيضاً من الأمور المصرفية الأشياء الاتية: ج:شراء وبيع العملات الأجنبية والسبائك والنقود الذهبية أو الفضية والأسهم والسندات].

وبالتالي يتبين جلياً ان الصرافة تقوم بعمل من أعمال البنوك وهو شراء وبيع العملات الاجنبية.

ثانياً/الثابت ان شركات الصرافة لا يكون شكلها القانوني شركة ذات المسؤولية المحدودة والسبب هو أن الشركة ذات المسؤولية المحدودة لا يجوز لها أن تمارس أي عمل من أعمال البنوك وفقاًً لنص المادة (243) من قانون الشركات التجاري التي تنص على الاتي: [لا يجوز أن تقوم الشركة ذات المسؤولية المحدودة بأعمال التأمين أو التوفير أو أعمال البنوك كما لا يجوز لها أن تقوم بإصدار أسناد قرض].

وعليه لو كانت أعمال الصرافة ليست من أعمال البنوك لكان من الجائز ان يكون الشكل القانوني لشركات الصرافة شركة ذات مسؤولية محدودة!

ثالثاً/المادة (16) من قانون أعمال الصرافة قبل الغائها نصت على: [لا يجوز للصراف القيام بأي عمل من أعمال البنوك المنصوص عليها في القانون رقم (36) لسنة 1991 بشأن البنوك باستثناء ما سمح به هذا القانون].

ويتضح أن المعنى في هذا النص هو ان القانون لم يسمح للصراف القيام بأي عمل من أعمال البنوك إلا ما سمح به القانون من أعمال البنوك، وبالتالي فما سمح به هو من أعمال البنوك.

ونرى أن الغاء هذه المادة لا يعني على الاطلاق الغاء معناها؛ لأن هذا المعنى ثابت كما رأينا في البند أولاً، وانما تم الغاءها بسبب إضافة مادة جديدة الى قانون الصرافة وهي المادة رقم (14) التي سمحت للصراف القيام بأعمال أخرى للبنوك غير بيع وشراء النقد الأجنبي إذا حصل على موافقة خاصة من البنك المركزي بقولها: [للبنك أن يسمح للصراف القيام بالأعمال الاتية:

أ-بيع وشراء النقد الأجنبي والشيكات السياحية

ب-قبول التحويلات والشيكات المصرفية الصادرة من البنوك العاملة في اليمن والخارج

ج-أية عملية أخرى يجب الحصول على موافقة خاصة بها من البنك وبالشروط التي يحددها].

رابعاً/أن شركات ومنشأة الصرافة خاضعة للبنك المركزي من عدة نواحي وهي بدء النشاط المصرفي فلا يحق لأي شخص أن يقوم بأي عمل من أعمال الصرافة في اليمن الا بترخيص صادر من البنك المركزي ولا يتم تسجيل أي شركة صرافة الا بترخيص صادر كذلك من البنك المركزي وهو ما نصت عليه من المادة (3) من قانون اعمال الصرافة، ومن ناحية الاشراف والرقابة فالصرافون يخضعون لرقابة البنك المركزي وهو ما نصت عليه المادة (21) من القانون سالف الذكر، ومن ناحية انتهاء النشاط المصرفي فلا يجوز للصراف أن ينهي أعماله أو يتوقف عنها الا بموافقة كتابية من البنك المركزي ويحدد البنك طريقة وشروط انهاء العمل والتوقف عنه وهو ما نصت عليه المادة (12) من ذات القانون.

وهذا كله يؤكد أن الصرافات تقوم بعمل من أعمال البنوك والا لما كان للبنك المركزي كل هذه السلطة عليها، فالبنك المركزي لا يشرف على الصرافات إلا لأن الصرافات تمارس جزءاً من الوظائف الجوهرية للبنك مما يتطلب رقابة لصيقة عليها لاعتبارات قانونية واقتصادية مهمة كحماية الاقتصاد الوطني وضبط السوق ومنع المخاطر المالية كعمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وفي النهاية نتوصل من هذا المقال القانوني الى أن الصرافة طالما وأعمالها هي جزء من أعمال البنوك فهي تدخل ضمن الاستثناء الخاص بالبنوك الوارد في المادة 3 من قرار انشاء المحاكم التجارية، ولا نرى أي مبرر للأخذ بقاعدة (الاستثناء لا يجوز التوسع فيه ولا القياس عليه) كسند للقول بعدم إدخال اعمال الصرافة ضمن البنوك؛ لأن المقصود بهذه القاعدة انه لا يجوز إضافة شيء جديد او مشابه وليس شيء هو جزء أصيل من الاستثناء!.

والله اعلم

إعداد المحامية/سمر عبد السلام العريقي