ولذا كانَ الوجوبُ الشرعيُّ في قولِهِ تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] حجرَ الزاويةِ في إرساءِ مبدأِ التخصص، إذ إنَّ "الذِكر" في كلِّ علمٍ هو أهلُ الدرايةِ والاختصاصِ به،
كما نجد أنَّ الحق تبارك وتعالى قد وضع قانوناً أزلياً في دقة الإخبار ونفي الجهالة بقوله: {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]؛
فهذا النص القرآني ليس مجرد إخبار، بل هو تقريرٌ لمنهجيةٍ إلهيةٍ تقضي بأنَّ الحقيقة لا تُستقى إلا من مَعين أهلها، وأنَّ "النبأ" الفني الذي تُبنى عليه الأحكام لا يُعتدُّ به ما لم يصدر عن خبيرٍ حاز تخصصاً يُطابق المأمورية.
فالخبير في اللغة والشرع هو مَنْ استبطن عِلم الشيء حتى أحاط بظواهره وخفاياه، فإذا انتدبت المحكمة مَنْ يجهلُ فنَّ النزاع، فقد خالفت صريح النص القرآني، واستبدلت الذي هو أدنى (الجهل) بالذي هو خير (التخصص)، مما يجعل عملها والعدم سواء، إذ لا يُنبئ عن عوار البناء إلا مهندس، ولا عن سقم الجسد إلا طبيب، فإذا نطق غير المتخصص فقد نطق بالظن، و {إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28].
وبغيرِ ذلكَ تضيعُ الأمانةُ ويختلُّ ميزانُ العدل. ولما كانَ اللفظُ اللغويُّ لـ "الخبير" يُفيدُ إدراكَ كُنهِ الشيءِ وبواطنِهِ، فإنَّ انتدابَ مَنْ يفتقرُ للتخصصِ النوعيِّ ينسلخُ معه وصفُ "الخبير" قانوناً، ويضحى وجودُهُ في الدعوى عدماً؛
وهو ما جسّدَهُ المشرعُ اليمنيُّ في قانونِ الإثباتِ رقم (21) لسنة 1992م وتعديلاتِهِ، حينَ نصت المادة (133) بلفظِها الصريحِ القاطعِ على حصرِ مأموريةِ الخبيرِ في: "المسائل الفنية"، وهو نصٌّ آمِرٌ يمنعُ المحكمةَ من الخروجِ عن دائرةِ التخصصِ الدقيق.
كما عززت ذلك المادة (135) بوجوبِ اختيارِ الخبراءِ من الجداولِ المعتمدةِ لضمانِ تحققِ "الأهلية الفنية" سلفاً .
و "الأهلية الفنية" ليست مجردَ وصفٍ كاشفٍ للخبير، بل هي "شرطُ وجودٍ" وركنٌ جوهريٌّ تُستمدُّ منه الولاية الفنية التي تُمكّنه من معاونة القضاء؛ فالمشرعُ اليمنيُّ في قانونِ الإثباتِ رقم (21) لسنة 1992م قد جعلَ التخصصَ النوعيَّ هو مناط قبول الدليل الفني، حيث نصت المادة (133) بلفظِها الصريحِ على أنَّ الندبَ لا يكونُ إلا في: "المسائل الفنية"، وهو نصٌّ يحملُ في جوهرِهِ وجوبَ حلولِ "الأهلية" محل "الجهالة". فإذا ما انعدمت هذه الأهلية بأن انتدبت المحكمة شخصاً في غير فنّه، انعدمت بالتبعية صلاحيته لإبداء الرأي، ويضحي وجوده في الدعوى وجوداً مادياً لا قانونياً، مما يوصم تقريره بـ البطلان المطلق الذي لا يرد عليه تصحيح، لكونه صدَرَ عمن لا يملك "سلطة التنوير الفني"، إذ استقر الفقه على أن:
"الأهلية الفنية هي عصب الخبرة وقوامها، فإذا نُدب خبيرٌ يفتقر إليها، فإن تقريره يقع باطلاً بطلاناً متعلقاً بالنظام العام؛ لأن فاقد الأهلية لا يُقيم حقاً ولا يستجلي حقيقة، وما يصدر عنه لا يعدو أن يكون لغواً لا يجوز للمحكمة الالتفات إليه."
المصدر: (د. أحمد أبو الوفا، التعليق على نصوص قانون الإثبات، صـ 642).
، فإذا ما حادتِ المحكمةُ عن هذا الطريقِ ونَصّبتْ غيرَ متخصص، فإنها تكونُ قد ارتكبتْ خطأً إجرائياً جسيماً يوصمُ تقريرَ الخبرةِ بـ البطلانِ المطلقِ الذي لا يردُ عليهِ تصحيح، لكونِهِ صَدَرَ عمن لا ولايةَ فنيةً له، إذ استقرَّ الفقهُ على أنَّ: "بطلانَ عملِ الخبيرِ لعدمِ التخصصِ هو بطلانٌ يتعلقُ بالنظامِ العامِ، ولا يجوزُ للمحكمةِ أن تبنيَ حكمَها على رأيِ مَنْ لا يملكُ الأهليةَ العلمية، وإلا كان حكمُها فاسداً في استدلالِهِ وقاصراً في تسبيبِهِ" (المصدر: د. أحمد أبو الوفا، التعليق على نصوص قانون الإثبات، صـ 642).
هذا البطلانَ الإجرائيَّ ليس نهايةَ الأثر، بل هو المنطلقُ لاستنهاضِ "حقِّ المخاصمةِ" الزجريِّ في مواجهةِ القاضي الذي أهدرَ ضماناتِ العدالةِ وبدّدَ أموالَ الخصوم؛ فبموجبِ المادة (300) من قانونِ المرافعاتِ اليمني رقم (40) لسنة 2002م، يُعدُّ ندبُ خبيرٍ غيرِ متخصصٍ مع وجودِ أهلِ التخصصِ -أو رغمَ اعتراضِ الخصومِ الجوهريِّ-صورةً صارخةً من صورِ "الخطأ المهنيِّ الجسيمِ" الذي يفتحُ البابَ لمخاصمةِ القاضي ومطالبتِهِ بالتعويضِ في مالِهِ الخاص. فالمخاصمةُ هنا ليست مجردَ طعنٍ في إجراء، بل هي محاكمةٌ لمسلكِ القاضي الذي انحرفَ عن جادةِ الحيطةِ والحذرِ إلى دركِ الإهمالِ الفاحش، لاسيما وأنَّ تمكينَ غيرِ المتخصصِ من قبضِ "أمانةٍ ماليةٍ" باهظةٍ مقابلَ تقريرٍ باطلٍ يُعدُّ صورةً من صورِ الإثراءِ بلا سببٍ بالمخالفةِ لنصِّ المادة (150) من القانونِ المدنيِّ اليمني التي أوجبتْ ردَّ ما قُبضَ بغيرِ حق، وهو ما يُقيمُ في حقِّ المحكمةِ "مظنةَ التهمةِ" ويفتحُ بابَ المساءلةِ أمامَ هيئةِ التفتيشِ القضائيِّ وفقاً لـ قانونِ السلطةِ القضائيةِ رقم (1) لسنة 1991م، إذ استقرَّ القضاءُ على أنَّ "تجاهلَ المحكمةِ لدفعِ الخصمِ بعدمِ تخصصِ الخبيرِ واعتمادِها لتقريرِهِ الواهي فنيّاً، هو خروجٌ عن مقتضياتِ الوظيفةِ القضائيةِ يُوجبُ المخاصمةَ والردع" (المصدر: المستشار أنور طلبة، مسؤولية القاضي ومخاصمته، صـ 184).
وتتوجُّ المحكمةُ العليا اليمنيةُ هذا البنيانَ ببسطِ رقابتِها الصارمةِ على "مشروعيةِ التخصصِ"، معتبرةً أنَّ سلامةَ الأهليةِ الفنيةِ للخبيرِ هي "مفترضٌ قانونيٌّ" لصحةِ الدليلِ، وليست مجردَ سلطةٍ تقديريةٍ عابرةٍ لمحكمةِ الموضوع؛ فالمحكمةُ العليا في رقابتِها على الأحكامِ تتلمسُ مدى مطابقةِ تخصصِ الخبيرِ لمأموريتِهِ، فإذا ثبتَ لديها العوارُ، قضتْ بنقضِ الحكمِ وبطلانِ التقرير، لكونِ القاضي هو "الخبير الأعلى" المطالبِ بالتحققِ من كفاءةِ معاونيه، فإذا تهاونَ أو حابى غيرَ المتخصصِ، فقد هدمَ ركنَ اليقينِ في حكمِهِ،
وهو ما أكدتهُ المحكمةُ العليا في مبادئِها الراسخةِ: "إنَّ القاضيَ مُلزمٌ بموجبِ قانونِ الإثباتِ بالتحققِ من أهليةِ الخبير، فإذا أغفلَ ذلكَ واعتمدَ تقريراً فاقداً للقيمةِ الفنية، وقعَ حكمُهُ في حومةِ البطلانِ المطلقِ الذي يستوجبُ النقضَ وإعادةَ الدعوى لتبنى على أساسٍ فنيٍّ سليم" (المصدر: المحكمة العليا اليمنية، الدائرة المدنية، الطعن رقم 24560، لسنة 1425هـ).
وبذلك يخلصُ هذا البحثُ إلى أنَّ إهدارَ التخصصِ هو جُرمٌ إجرائيٌّ وماديٌّ متكامل، يُبطلُ الأحكامَ، ويُوجبُ المخاصمةَ، ويفرضُ استردادَ الأموالِ المقبوضةِ سُحتاً، لتبقى منصةُ القضاءِ شامخةً بالعلم، محصنةً بالنزاهة، مبرأةً من كلِّ عيبٍ يخدشُ وجهَ العدالةِ الناجزة.