‏إظهار الرسائل ذات التسميات اعمال الصرافة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اعمال الصرافة. إظهار كافة الرسائل

المحكمة المختصة في قضايا منشأة الصرافة في القانون اليمني

 إن المحكمة المختصة في قضايا منشأة وشركات الصرافة في المناطق التي لا توجد فيها محكمة تجارية هي المحكمة التجارية التي تقع في دائرة اختصاصها وليست المحكمة ذات الولاية العامة وذلك لعدة أمور نشرحها على النحو الاتي: -

لقد نصت المادة (3) من قرار انشاء المحاكم التجارية رقم (19) لسنة 2003 على: [أ-تختص المحاكم التجارية بالنظر في الدعاوى والمنازعات ذات الطابع التجاري وفقا للقانون التجاري والقوانين الأخرى ذات الصلة.

ب-يبقى الاختصاص الوارد في الفقرة السابقة من هذه المادة منعقداً للمحاكم الابتدائية ذات الولاية العامة في عواصم المحافظات والمديريات التي لا يوجد فيها محاكم تجارية عدا قضايا الإفلاس والبنوك والعلامات والاسماء التجارية والقضايا التي تتعلق بالشركات الأجنبية او التي يكون أحد أطرافها عنصراً اجنبياً].

الأمر الأول: معنى (البنوك) الواردة في النص السابق:

نرى أن المقصود بالبنوك في المادة السابقة هو أعمال البنوك بشكل عام (المعيار الموضوعي) وليس القضايا المرفوعة من وعلى البنوك فقط (المعيار الشخصي) كما قد يوحي ظاهر النص؛ لأن الحكمة من جعل الاختصاص لقضايا البنوك للمحكمة التجارية حصراً متوفرة في المعيار الشخصي والموضوعي على حدٍ سواء وهذه الحكمة هي أن البنوك وأعمال البنوك-والتي تمارس الصرافة جزء يسير منها-هي منظمة في قوانين تتبع للقانون التجاري وتعد فرعاً رئيسياً من فروعه.

وبالتالي من غير المنطقي أن يقصد النص المعيار الشخصي فقط فلا تكون المحكمة التجارية مختصة إلا في قضايا مرفوعة من وعلى البنوك فقط ويتجاهل قضايا شركات ومنشأة الصرافة بالرغم من أنها تمارس عملاً من أعمال البنوك -كما سنرى-، وتخضع كذلك لقانون يتبع القانون التجاري بشكل رئيسي وهو قانون أعمال الصرافة، وتخضع لإشراف مباشر من البنك المركزي وملزمة بالتعليمات والقرارات الصادرة منه.

هذا من جانب، ومن جانب اخر فإنه بالتأمل والتمعن في القضايا المذكورة في النص التي استثناها المقنن اليمني وحصر نظرها للمحكمة التجارية حتى وان لم توجد في دائرة اختصاصها محكمة تجارية ومنع المحكمة ذات الولاية العامة من نظرها، نجد أن الجامع المشترك فيها هو انها قضايا تجارية ذات طابع دقيق تتطلب فهماً قوياً للقوانين التجارية وخبرة ومعرفة خاصة بالطبيعة التجارية، والمحاكم ذات الولاية العامة لا تمتلك الخبرة المتخصصة والمعرفة الكافية للفصل في النزاعات المتعلقة بهذه القضايا، وبالنظر الى طبيعة قضايا الصرافة نجد انه ينطبق عليها المعيار المشترك الذي بنى المقنن اليمني على أساسه استثناءه الوارد في نص المادة، فهي قضايا تحتاج الى معرفة متخصصة؛ لأن طبيعة عمليتها معقدة ومتشعبة فهي تشمل تحويلات داخلية وخارجية، وعملات متعددة، وفروقات أسعار الصرف، وأنظمة الكترونية خاصة، وشبكات حوالات مالية، وتتعلق بمبالغ ضخمة وتحويلات تكون لها تبعات اقتصادية، وتحتاج في بعض الحالات الى الخبرة المحاسبية؛ لأن هناك جزء من نزاعاتها يتعلق بفروقات في الأرصدة وأسعار الصرف أو العمولات، وتخضع للوائح وتعليمات وتعميمات ومنشورات تنظيمية خاصة صادرة من البنك المركزي لها طابع الالزام كـ المنشور الدوري رقم (6) لسنة 2021م بشأن التعليمات التنظيمية لأعمال الحوالات المالية عبر قطاع الصرافة، وغيره.

الأمر الثاني: أعمال الصرافة هي جزء من أعمال البنوك وما يثبت ذلك الآتي: -

أولاً/ لقد عرفت المادة (2) من قانون البنك المركزي رقم (14) لسنة 2000م في الفقرة (ط) الصرافة بقولها: [الصرافة شراء وبيع العملات الأجنبية].

وكذلك عرفت المادة (2) من قانون اعمال الصرافة رقم (19) لسنة 1995م، أعمال الصرافة بأنها: [التعامل بالعملات الأجنبية].

وعرفت المادة (2/ز) من قانون البنك المركزي البنوك بقولها: [البنوك: الأشخاص الاعتباريون الذين يمارسون بصفة أساسية الاعمال المصرفية....].

ونصت ذات المادة في الفقرة التالية مباشرة (ح) على الاعمال المصرفية وعددتها تفصيلاً وذكرت من بينها شراء وبيع العملات الأجنبية بقولها: [العمل المصرفي:....2-وتعد أيضاً من الأمور المصرفية الأشياء الاتية: ج:شراء وبيع العملات الأجنبية والسبائك والنقود الذهبية أو الفضية والأسهم والسندات].

وبالتالي يتبين جلياً ان الصرافة تقوم بعمل من أعمال البنوك وهو شراء وبيع العملات الاجنبية.

ثانياً/الثابت ان شركات الصرافة لا يكون شكلها القانوني شركة ذات المسؤولية المحدودة والسبب هو أن الشركة ذات المسؤولية المحدودة لا يجوز لها أن تمارس أي عمل من أعمال البنوك وفقاًً لنص المادة (243) من قانون الشركات التجاري التي تنص على الاتي: [لا يجوز أن تقوم الشركة ذات المسؤولية المحدودة بأعمال التأمين أو التوفير أو أعمال البنوك كما لا يجوز لها أن تقوم بإصدار أسناد قرض].

وعليه لو كانت أعمال الصرافة ليست من أعمال البنوك لكان من الجائز ان يكون الشكل القانوني لشركات الصرافة شركة ذات مسؤولية محدودة!

ثالثاً/المادة (16) من قانون أعمال الصرافة قبل الغائها نصت على: [لا يجوز للصراف القيام بأي عمل من أعمال البنوك المنصوص عليها في القانون رقم (36) لسنة 1991 بشأن البنوك باستثناء ما سمح به هذا القانون].

ويتضح أن المعنى في هذا النص هو ان القانون لم يسمح للصراف القيام بأي عمل من أعمال البنوك إلا ما سمح به القانون من أعمال البنوك، وبالتالي فما سمح به هو من أعمال البنوك.

ونرى أن الغاء هذه المادة لا يعني على الاطلاق الغاء معناها؛ لأن هذا المعنى ثابت كما رأينا في البند أولاً، وانما تم الغاءها بسبب إضافة مادة جديدة الى قانون الصرافة وهي المادة رقم (14) التي سمحت للصراف القيام بأعمال أخرى للبنوك غير بيع وشراء النقد الأجنبي إذا حصل على موافقة خاصة من البنك المركزي بقولها: [للبنك أن يسمح للصراف القيام بالأعمال الاتية:

أ-بيع وشراء النقد الأجنبي والشيكات السياحية

ب-قبول التحويلات والشيكات المصرفية الصادرة من البنوك العاملة في اليمن والخارج

ج-أية عملية أخرى يجب الحصول على موافقة خاصة بها من البنك وبالشروط التي يحددها].

رابعاً/أن شركات ومنشأة الصرافة خاضعة للبنك المركزي من عدة نواحي وهي بدء النشاط المصرفي فلا يحق لأي شخص أن يقوم بأي عمل من أعمال الصرافة في اليمن الا بترخيص صادر من البنك المركزي ولا يتم تسجيل أي شركة صرافة الا بترخيص صادر كذلك من البنك المركزي وهو ما نصت عليه من المادة (3) من قانون اعمال الصرافة، ومن ناحية الاشراف والرقابة فالصرافون يخضعون لرقابة البنك المركزي وهو ما نصت عليه المادة (21) من القانون سالف الذكر، ومن ناحية انتهاء النشاط المصرفي فلا يجوز للصراف أن ينهي أعماله أو يتوقف عنها الا بموافقة كتابية من البنك المركزي ويحدد البنك طريقة وشروط انهاء العمل والتوقف عنه وهو ما نصت عليه المادة (12) من ذات القانون.

وهذا كله يؤكد أن الصرافات تقوم بعمل من أعمال البنوك والا لما كان للبنك المركزي كل هذه السلطة عليها، فالبنك المركزي لا يشرف على الصرافات إلا لأن الصرافات تمارس جزءاً من الوظائف الجوهرية للبنك مما يتطلب رقابة لصيقة عليها لاعتبارات قانونية واقتصادية مهمة كحماية الاقتصاد الوطني وضبط السوق ومنع المخاطر المالية كعمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وفي النهاية نتوصل من هذا المقال القانوني الى أن الصرافة طالما وأعمالها هي جزء من أعمال البنوك فهي تدخل ضمن الاستثناء الخاص بالبنوك الوارد في المادة 3 من قرار انشاء المحاكم التجارية، ولا نرى أي مبرر للأخذ بقاعدة (الاستثناء لا يجوز التوسع فيه ولا القياس عليه) كسند للقول بعدم إدخال اعمال الصرافة ضمن البنوك؛ لأن المقصود بهذه القاعدة انه لا يجوز إضافة شيء جديد او مشابه وليس شيء هو جزء أصيل من الاستثناء!.

والله اعلم

إعداد المحامية/سمر عبد السلام العريقي

 

 

الاثبات في الاعمال المصرفية

 
نظم المشرع اليمني وسائل الاثبات في الاعمال المصرفية في القانون رقم (40) لسنة 2006م ا بشأن أنظمة الدفع والعمليات المالية والمصرفية الالكترونية ومن ابرز ما تضمنه ما يلي:
1-   اجازته الاثبات في القضايا المصرفية بجميع طرق الاثبات وذلك ما نصت عليه المادة (9) منه بقوله: 
(( 1- يجوز الإثبات في القضايا المصرفية بجميع طرق الإثبات بما في ذلك البيانات الإلكترونية أو البيانات الصادرة عن أجهزة الحاسب الآلي أو مراسلات أجهزة التلكس أو الفاكس أو غير ذلك من الأجهزة المشابه.
2- يجب على البنوك والمؤسسات المصرفية الأخرى أن تحتفظ بالأوراق المتصلة بأعمالها المالية والمصرفية لمدة لا تقل عن (10) سنوات بصورة مصغرة(ميكرو فيلم أو أسطوانة ممغنطة) أو غير ذلك من أجهزة التقنية الحديثة بدلاً عن أصل الدفاتر والسجلات والكشوفات والوثائق والمراسلات والبرقيات والاشعارات وغيرها وتكون لهذه الصور المصغرة حجية الأصل في الإثبات.



3- تعفى البنوك التي تستخدم في تنظيم عملياتها المالية والمصرفية الحاسب الآلي أو غيره من أجهزة التقنية الحديثة من تنظيم الدفاتر التجارية المنصوص عليها في القانون التجاري النافذ وتعتبر المعلومات المستقاة من تلك الأجهزة أو غيرها من الأساليب الحديثة بمثابة دفاتر تجارية لها حجية في الإثبات)).
1-    حجية الاثبات في الأنظمة الإلكترونية:
نصت المادة (8/2) من ذات القانون على إجراءات الدفع والقبض التي تتم بواسطة النظام الإلكتروني لتحويل الأموال بقولها:
( إجراء الدفع والقبض بواسطة النظام الإلكتروني لتحويل الأموال وإبلاغ البنوك بذلك ويكون لهذه الإجراءات حجية في الإثبات )).
د-  وعن وسائل الاثبات الإلكترونية واثارها 
نصت المادة رقم (10) من ذات القانون على ذلك بقولها:
(( يكون للسجل الإلكتروني والعقد الإلكتروني ورسالة البيانات والمعلومات الإلكترونية والتوقيع الإلكتروني نفس الآثار القانونية المترتبة على الوثائق والمستندات والتوقيعات الخطية من حيث إلزامها لأطرافها أو حجيتها في الإثبات )).
كما أن المشرع اليمني أجاز الإثبات في القضايا المصرفية بجميع طرق الاثبات حيث نصت المادة (9/1)
(( يجوز الإثبات في القضايا المصرفية بجميع طرق الإثبات بما في ذلك البيانات الإلكترونية أو البيانات الصادرة عن أجهزة الحاسب الآلي أو مراسلات أجهزة التلكس أو الفاكس أو غير ذلك من الأجهزة المشابهة))
المادة (2) من نفس القانون بقولها:
((السجل الإلكتروني: القيد أو العقد الإلكتروني أو رسالة البيانات التي يتم إنشاؤها أو إرسالها أو تسليمها أو تخزينها بوسائل إلكترونية.
السند الإلكتروني: هو أي بيان أو رسالة أو قيد أو علمية أو معلومة أو عقد أو توقيع أو برنامج أو سجل أو إجراء أو شهادة أو رمز أو توثيق أو أية أوراق مالية أو تجاري يتم الحصول عليها بوسيلة إلكترونية))
-         منح المحكمة حق التحقق من العمليات الواردة في النظام ما اذ اكانت منتظمة وتتوافر فيها شروط السجلات التجارية في التسلسل والانتظام والشروط التي وردت في الفقرة (1) من المادة رقم (11) من قانون أنظمة الدفع لكي يجوز اثبات البيانات الواردة في سجل النظام بواسطة الغير هي:
‌1- أن تكون البيانات والمعلومات الواردة في ذلك السجل قابلة للاحتفاظ بها وتخزينها بحيث يمكن في أي وقت الرجوع إليها.
‌2- إمكانية الاحتفاظ بالسجل الإلكتروني بالشكل الذي تم به أنشاؤه أو إرساله أو تسلمه أو بأي شكل يسهل به إثبات دقة البيانات والمعلومات التي وردت فيه عند إنشائه أو إرساله أو تسلمه.
طريق الرسائل موافق لصريح القانون حيث نصت المادة (15) من القانون رقم (40) لسنة 2006م بشأن أنظمة الدفع والعمليات المالية والمصرفية الالكترونية على ذلك بقولها:
(( أ- تعتبر رسالة المعلومات وسيلة من وسائل التعبير عن الإدارة المقبولة قانوناً لإبداء الإيجاب أو القبول بقصد إنشاء التزام تعاقدي.
ب- تعتبر رسالة المعلومات صادرة عن المنشئ سواء صدرت عنه ولحسابه أو بواسطة وسيط إلكتروني معد للعمل آلياً بواسطة المنشئ أومن ينيبه )).


وبما ان دفاتر التاجر حجة على التاجر نفسه، وفقا لما قضت به المادة (38) من القانون التجاري بقولها:

[ تكون الدفاتر التجارية الإلزامية حجه لصاحبها التاجر ضد خصمه التاجر إذا كان النزاع متعلقا بعمل تجاري وكانت الدفاتر منتظمة حسب القواعد السالف ذكرها وتسقط هذه الحجة بالدليل العكسي ويجوز إن يؤخذ هذا الدليل من دفاتر الخصم التجارية المنتظمة ]

((مبدأ عدم تجزئة مفردات الحساب الجاري))


 

لأجل التعرف على ذاتية مبدأ عدم تجزئة مفردات الحساب الجاري فإننا سنتحدث عنه في ثلاثة فروع، نتناول في الفرع الأول تعريف مبدأ عدم تجزئة مفردات الحساب الجاري، في حين تتناول في الفرع الثاني النتائج المترتبة على هذا المبدأ، فيما نخصص الفرع الثالث لبيان الاستثناءات الواردة على هذا المبدأ.

 

الفرع الأول: تعريف مبدأ عدم تجزئة المفردات: -

لقد وردت عدة تعاريف بشأن مبدأ عدم تجزئة مفردات الحساب الجاري فقد عرفه جانب من الفقه بأنه (ذلك المبدأ الذي تكون بموجبه المدفوعات الداخلة في الحساب الجاري وحدة متداخلة لا تقبل التجزئة، فلا يمكن فصل مدفوع عن الآخر، فالمدفوعات تتماسك مع بعضها البعض فلا يوجد حق أو دين لأحد حتى يتم قفل الحساب).

كما عرفه جانب آخر من الفقه بأنه (تحول الديون المقيدة في الحساب الجاري الى بنود مندمجة فيه لا تقبل التجزئة، بحيث لا يوجد حق أو دين أثناء مرحلة تشغيل الحساب الجاري).

كما عرف بأنه (المبدأ الذي يجعل من الدفعات في الحساب الجاري تندمج في كل لا يتجزأ بحيث لا يعرف من هو الطرف الدائن ومن هو الطرف المدين الا عند مرحلة غلق الحساب وتصفيته).

فيما عرف جانب آخر من الفقه مبدأ عدم التجزئة بالقول (إن التفاصيل والجزئيات في الحساب الجاري تنصهر في شكل مفردات تتلاشى فرديتها لتعمل كلها وتسهم في تكوين وتحديد الرصيد النهائي الذي يتحقق عند قفل الحساب الجاري).

وهو ذات الوصف الذي حددته محكمة النقض الفرنسية، حيث جاء في حكم لها بأن (العمليات المقيدة في الحساب الجاري تتسلسل في هذا الحساب حتى تاريخ التسوية النهائية مكونة كلاً لا يتجزأ ما دام الحساب مفتوحاً، فلا حق ولا دين بل مجرد أرقام مسجلة في الجهتين المتقابلتين من الحساب، وحيث أنه بالموازنة النهائية وحدها يتحدد الرصيد على عاتق أحد الطرفين فليس هناك دائن ولا مدين إلا بعد تلك الموازنة)

فمبدأ عدم التجزئة يتمثل إذن في استبدال تسوية العمليات المتعددة التي تتم بين طرفي الحساب بتسوية واحدة نهائية عند قفل الحساب وظهور الرصيد النهائي وهو الأمر الذي لا يمكن تصوره إلا إذا نظرنا إلى الحساب الجاري بوصفه كلاً واحداً تندمج داخله المدفوعات وتتماسك مع بعضها البعض لتكون وتحدد الرصيد النهائي عند قفل الحساب.

 

 

ونظراً لأهمية مبدأ عد تجزئة المفردات فقد نصت غالبية التشريعات التجارية عليه ومنها التشريع اليمني الذي أشار إليه صراحة في المادة (350) من القانون التجاري التي تنص على الاتي: [الحساب الجاري غير قابل للتجزئة فلا يعد أحد الطرفين دائنا أو مدينا للطرف الاخر قبل اقفال الحساب واقفال الحساب هو وحده الذي يحدد العلاقات القانونية بين الطرفين وهو الذي تنشأ عنه حتما المقاصة الاجمالية لجميع بنود الحساب من تسليف واستلاف وهو الذي يعين الدائن والمدين والحجز الذي يوقع على نقود وأموال داخلة في الحساب الجاري لا ينفذ إلا بالنسبة إلى الرصيد الذي يظهر لمصلحة المحجوز عليه عند إقفال الحساب].

والمادة (369) من ذات القانون بقولها: [تكون المفردات المقيدة في الحساب الجاري بمجموعها غير قابلة للتجزئة قبل غلق الحساب واستخراج الرصيد].

 

الفرع الثاني: النتائج المترتبة على مبدأ عدم تجزئة المفردات: -

يترتب على مبدأ عدم تجزئة المفردات عدة نتائج يمكن إجمالها من خلال الاثرين الآتيين: -

 

الاثر الأول: عدم جواز المطالبة بقيمة إحدى المفردات على حدة: -

لا يمكن لأي من طرفي الحساب الجاري استخراج أحد بنود الحساب للمطالبة به على حدة، فإذا كان قيد المدفوع ناشئاً عن ثمن مبيع مثلاً، فليس للطرف الذي جرى القيد لصالحه المطالبة به على حده لان الطرف الآخر في الحساب المشتري (تكون ذمته قد برأت من قيمته بمجرد قيد ما يعادله في الحساب، كما إن هذا الحكم يتفق مع إرادة الطرفين التي انعقدت على عدم تسوية الحقوق التي تقيد في الحساب فوراً ونقداً وإنما اتجهت إلى تأجيل التسوية لحين قفل الحساب وتصفيته.

فلا تجوز المطالبة بمفردات الذمم الداخلة في الحساب وإنما تكون المطالبة بعد اختتام الحساب الجاري وتعيين وضع الطرفيين القانوني وظهور الرصيد النهائي ولا يجوز لأي من فريقي الحساب الجاري حق مطالبة الآخر بما سلمه له بكل دفعة على حدة فالدين المترتب لشخص لدى دخوله الحساب الجاري يفقد صفته الخاصة وكيانه الذاتي، فلا يكون بعد ذلك قابلاً للوفاء على حدة ولا للمداعاة وإن إيقاف الحساب وحده هو الذي ينشأ عنه حالة المقاصة الجماعية لجميع بنود الحساب وهو الذي يعين الدائن من المدين.

 

ويسري هذا الحكم حتى على غير طرفي الحساب الجاري، فلا يجوز مثلاً لدائن أحد طرفي الحساب أن يتخذ إجراءات حجز ما للمدين لدى الغير على مدفوع لمدينه أدرج في الحساب، لأن مركز طرفي الحساب الجاري لا يتحدد إلا عند قفل الحساب واستخلاص الرصيد، إذ إن كل مدفوع يدرج في الحساب يفقد صفته الأصلية ويتحول إلى مفرد حسابي يندمج مع غيره من المفردات من غير أن يكون هنالك دائن لهذا المدفوع أو مدين، وإنما يكون كل منهما دائنا احتمالياً بما تسفر عنه تصفية الحساب عند قفله و بمعنى إن مركز الطرفين في الحساب يبقى يتراوح بين الدائنية والمديونية حتى يحين موعد قفل الحساب ويتم استخلاص الرصيد ليتحدد وقتئذ مركز كل منهما إزاء الآخر.

 

الاثر الثاني: عدم جواز التمسك بالمقاصة بين مفردات الحساب الجاري أثناء تشغيله:

 

لا يجوز أثناء تشغيل الحساب إجراء المقاصة بين مفرداته، وذلك لان المقاصة هي عملية وفاء واستيفاء ومثل هذه العملية لا تقع إلا بصورة شاملة بين جميع البنود الدائنة والمدينة عند قفل الحساب حيث يتحدد دين الرصيد النهائي والذي يعد وحده ديناً مستحقاً لأحد الطرفين على الآخر ومن ثم محلاً للوفاء وهذا ما نصت عليه المادة ( 350 ) من القانون التجاري اليمني بالقول: [....واقفال الحساب هو وحده الذي يحدد العلاقات القانونية بين الطرفين وهو الذي تنشأ عنه حتما المقاصة الاجمالية لجميع بنود الحساب من تسليف واستلاف وهو الذي يعين الدائن من المدين...].

والمادة (369) من ذات القانون بالقول: [...3-لا تجوز المقاصة بين مفرد في الحساب الجاري ومفرد اخر في الحساب ذاته].

ومن جهة أخرى فإن عدم جواز إجراء مقاصة بين مفردات الحساب إلا عند التصفية ضرورة يقتضيها الهدف المقصود من الحساب الجاري والمتمثل بإرجاء تسوية جميع العمليات لحين إقفال الحساب، وهو ما أشارت إليه المادة (343) من ذات القانون بالقول [...بحيث يصبح الرصيد النهائي وحده عند اقفال الحساب هو الدين المستحق الواجب الأداء لأحد الطرفين بحسب الأحوال].

فضلا عن إن إجراء المقاصة لا يكون إلا بين ديون مستحقة الأداء وهو الأمر الذي يتعارض مع طبيعة نظام الحساب الجاري، إذ إن استحقاق الدين الناجم عن دخول المدفوعات فيه لا يظهر إلى حيز الوجود قبل تسوية الحساب وإقفاله.

 

الفرع الثالث: الاستثناءات الواردة على مبدأ عدم تجزئة المفردات: -  

إذا كان مبدأ عدم تجزئة المفردات يقتضي ألا يكون هنالك دائن أو مدين أثناء مدة سريان الحساب الجاري، بيد أن ثمة استثناءات ترد على هذا المبدأ تتمركز معظمها حول التصفية المرحلية للحساب الجاري أو ما يسمى بالوقف الدوري المؤقت: بمعنى إن قاعدة عدم التجزئة ليست مطلقة ولا تمنع من إجراء موازنات دورية لاستخراج الرصيد المؤقت أثناء تشغيل الحساب للتصرف به متى كان دائناً لصاحبه من خلال الاعتداد بذلك الرصيد الدائن فضلا عن إمكانية الحجز عليه من قبل دائني صاحب الرصيد الايجابي.

الاستثناء الأول: الاعتداد بالرصيد الدائن المؤقت:

 

لقد جرى التعامل على الاعتداد بالرصيد المؤقت لقطع الحساب وما يكشف عنه من دائنية المصرف أو العميل في أحوال معينة، وهو الأمر الذي يتعارض قطعا مع مبدأ عدم تجزئة مفردات الحساب الجاري: إذ إن تطبيق هذا المبدأ يقضي بضرورة بقاء المدفوعات في حالة تماسك لحين غلق الحساب واستخراج الرصيد النهائي.

وقد أقر المشرع التجاري اليمني بهذا الاستثناء في حالة الحساب الجاري المفتوح لدى بنك وذلك في تنظيمه لأحكام الحساب الجاري لدى البنوك في المادة (370) من القانون التجاري التي تنص على الاتي: [حقوق صاحب الحساب: 1-يجوز لصاحب الحساب أن يتصرف في أي وقت في رصيده الدائن، ما لم تكن هناك التزامات أخرى على صاحب الحساب للبنك].

 

وقد رتب الفقه والقضاء العديد من التطبيقات لهذا الاستثناء منها: -

أولاً: يجوز لعميل المصرف سحب حوالة تجارية أو صكاً:

على رصيد حسابه المؤقت أثناء تشغيل الحساب إذا كان رصيده في هذا الحساب دائناً، بمعنى إن رصيده الدائن المؤقت يمكن أن يكون مقابل وفاء الأوراق تجارية متى تحققت شروط هذا المقابل.

ثانياً: رفع الدعوى البوليصية:

قد يعمد المدين الذي ساءت حالته المالية إلى بيع أمواله الظاهرة ليخفي ثمنها عن دائنيه، أو قد يعمد (لأجل الإضرار بدائنيه) الى محاباة الغير من أقاربه وأصدقائه بان يبيعهم ماله بثمن بخس أو يهبهم إياه، أو قد يجامل أحد الدائنين على حساب الآخرين.

 

ومن اجل حماية الدائنين من قبيل هذه التصرفات الضارة فقد أجاز لهم المشرع الحق في طلب عدم نفاذ تلك التصرفات في مواجهتهم أو ما تسمى (بالدعوى البوليصية) والتي تقوم أساساً على فكرة صدور غش من جانب المدين وإلحاق ضرراً بالدائن من جراء ذلك الغش.

 

وبناءً على ما تقدم فإن تصرف أحد طرفي الحساب الجاري تصرفاً منطوياً على غش للإضرار بمصالح الطرف الآخر يتيح للأخير الحق في رفع الدعوى البوليصية للطعن في تلك التصرفات ولذا يمكن القول بأن الصاحب الرصيد المؤقت -بوصفه دائناً -أن يرفع الدعوى البوليصية للطعن في تصرفات مدينه الذي أسفر الميزان المؤقت عن مديونية رصيده.

ثالثاً: قيد الرصيد المؤقت في حساب الجرد والميزانية السنوية:

 

بالرغم من إن مبدأ عدم تجزئة مفردات الحساب يقضي بعدم وجود حق أو دين أثناء سريان الحساب، بيد ان العرف التجاري اقر بإمكانية إن يقيد التاجر في ميزانيته السنوية حالته المؤقتة في الحساب سواء أكانت دائنة أم مدينة، كما هو الحال بالنسبة للشركات التي تحرص تماماً على قيد رصيدها المؤقت في ميزانيتها السنوية لكي يتضح مركزها المالي وتتضح حقيقة توزيع الأرباح، إذ إن إغفال الشركة لذلك القيد من شأنه أن يؤدي الى توزيع صوري للأرباح وخاصة فيما لو كان الرصيد المؤقت مدين وما سيرافق ذلك التوزيع من نقصان في رأس مال الشركة.

رابعاً: مطالبة الشريك المتضامن الخارج من الشركة بالرصيد المؤقت للحساب:

يقتضي مبدأ عدم التجزئة تعليق المديونية إلى وقت إقفال الحساب بيد أنه في حالة وجود حساب جارٍ مفتوح لشركة تضامن، فان من حق الطرف الآخر في الحساب أن يطالب أي شريك من الشركاء الخارجين من الشركة قبل قفل الحساب بدين الرصيد المؤقت ويمكن تبرير هذا الاستثناء بعدم تجريد الدين من ضمانات الشركاء عند انسحابهم الواحد تلو الآخر قبل إقفال الحساب، لان القول بخلاف ذلك سيجعل الدائن أمام شركة منحلة أو عاجزة عن الوفاء.

والحال إن الشركة والشركاء - المتضامنين - ملتزمون بكامل الدين المترتب على الشركة نتيجة رصيدها المدين في الحساب الجاري أثناء وجودهم في الشركة وقبل انسحابهم منها ، فيجوز للطرف الآخر في الحساب مطالبة الشريك المتضامن بدفع الرصيد المدين حتى بعد انسحابه من الشركة طالما أن دين الرصيد قد تحقق أثناء وجوده في الشركة ، وتطبيقاً لذلك قضت محكمة النقض الفرنسية بأنه (إذا كان الدائن المؤقت في الحساب الجاري مصرفاً وكان الطرف الآخر شركة تضامن، فيمكن للمصرف مطالبة الشركاء المنسحبين قبل قفل الحساب بالوفاء برصيد الحساب الذي استمر دائناً حتى قفله بإعلان إفلاس شركة التضامن).

 

الاستثناء الثاني: الحجز على الرصيد الدائن المؤقت:

 

يقتضي مبدأ عدم تجزئة المفردات عدم جواز الحجز على مفردات الحساب طيلة فترة تشغيله بسبب عدم معرفة الدائن أو المدين خلال تلك الفترة، وهذا ما أشارت اليه المادة(350) من القانون التجاري اليمني بقولها: [....والحجز الذي يوقع على نقود وأموال داخلة في الحساب الجاري لا ينفذ إلا بالنسبة إلى الرصيد الذي يظهر لمصلحة المحجوز عليه عند إقفال الحساب].

وما أشارت إليه محكمة النقض الفرنسية في حكمها الشهير الصادر بتاريخ ۱۹۲۲/۱/۲۳ والذي جاء فيه (إن حجز ما للمدين لدى الغير لا يمكن أن ينصب إلا على الأموال التي تكون مملوكة للمدين والتي يستطيع التصرف بها، وحيث إن الحساب الجاري غير قابل للتجزئة فانه لا يجوز لدائن أحد الطرفين توقيع الحجز على الحساب وإخراج القسيم الموجودة فيه عن التخصص الذي أعدت له بموجب الاتفاق، وكل ما يجوز له هو الادعاء على الرصيد النهائي الذي يكون الصالح مدينه بعد قطع الحساب وتسويته، ولذا فان الحجز على جزء من الحساب أو على الحساب عامة يكون حجزاً غير صحيح ويتعين على المصرف اعتباره عديم الأثر ).

وقد تعرض مبدأ عدم جواز الحجز على الحساب الجاري لانتقادات شديدة باعتباره وسيلة تمكن المدين من تهريب أمواله بإدخالها في الحساب الجاري ليتفادى حجزها من قبل دائنيه مع إمكانية إدخال عنصر الغش من جانب المدين إضراراً بهم، كما إن المدين -إذا كان يتوقع الحجز على رصيده الناتج عن القفل النهائي للحساب -يستطيع أن يسحب كل رصيده الدائن قبل اليوم المحدد لقفل الحساب بالشكل الذي يجعل فيه حجز دائنيه غير ذي فائدة.

 

وإزاء هذه الانتقادات اخذ القضاء يخفف من غلواء مبدأ عدم جواز الحجز على الحساب الجاري أثناء تشغيله من خلال الاعتداد بالرصيد المؤقت للحجز عليه إذا كان الحساب غير محدد المدة: لينتقل بعد ذلك القضاء -الى المرحلة الثانية-بالسماح للدائن باستخدام حق مدينه العميل في قفل الحساب بإرادته وذلك عن طريق الدعوى غير المباشرة لكي يتسنى له توقيع الحجز على الحساب بعد قفله، بحيث لا يصح للمصرف أن يتجاهل الحجز الواقع على حساب العميل، بل إن عليه السماح بتشغيل الحساب بعد حجزه بصورة تؤدي إلى عدم نقص الرصيد الذي تحدد وقت إيقاع الحجز، وإلا كان المصرف مسؤولاً تجاه الحاجز عن الضرر الذي يلحقه من جراء ذلك.  

 

وأخيراً فقد حسمت محكمة النقض الفرنسية هذا الوضع بالعدول عن قضائها السابق وذلك من خلال قرارها الشهير الصادر بتاريخ ۱۹۷۳/۱۰/۱۳ والذي جاء فيه صراحة بأنه:

(لما كان الرصيد المؤقت للحساب الجاري يعد بالضرورة عنصراً في ذمة المدين التي تمثل الضمان العام لدائنيه، فان هذا الرصيد المؤقت يشمله الحجز الذي أوقعه الدائن ، وعلى القاضي أن يبحث في هذا الرصيد عن العناصر التي يجوز التصرف فيها وقت الحجز).

وقد تبنت العديد من القوانين التجارية هذا الاستثناء ونصت عليه صراحة ومنها: قانون التجارة الكويتي المادة (۳۹۸) و قانون التجارة الليبي المادة (۲۰۷) وقانون التجارة المصري ( المادة ۳۷۳ ) ، فضلاً عن قانون التجارة العراقي الذي نص في المادة (٢٣٥) على انه يجوز لدائن أحد طرفي الحساب توقيع الحجز على ما للمدين من رصيد دائن لدى الغير وقت توقيع الحجز)

ومن خلال الاطلاع على النصوص المنظمة للحساب الجاري في القانون التجاري اليمني يتبين أنه لم يأخذ بهذا الاستثناء حيث أنه لم ينص على ذلك.

 

وقد أحسنت القوانين-التي أخذت بهذا الاستثناء-صنعاً عندما أخذت بجواز الحجز على الرصيد المؤقت للحساب الجاري استثناء على مبدأ عدم التجزئة تحقيقاً للموازنة بين مصالح جميع الأطراف من جهة ومنعاً من تهرب المدين من التزاماته في مواجهة دائنيه من جهة أخرى.

 

المرجع الاساسي: دراسة تكامل مبدأي تجديد المدفوعات وعدم تجزئة الحساب المفردات في تحديد اثار الحساب الجاري لـ يوسف عودة غانم وعلي عبد العالي خشان وعلاء عمر محمد.

-القانون التجاري اليمني رقم(32) لسنة 1991م وتعديلاته.

أ/سمر عبد السلام العريقي

شركة الربيعي وشركاؤه للخدمات القانونية

 


الصياغة القانونية: -