أثر التوقف عن الاستغلال ومظاهر الحيازة على حيازة الملك في ضوء المادة (1107) من القانون المدني اليمني، والنزاع فيها نزاع موضوعي وليس بطريق الدعوى المستعجلة

 أثر التوقف عن الاستغلال ومظاهر الحيازة على حيازة الملك في ضوء المادة (1107) من القانون المدني اليمني، والدعوى المستعجلة

تمهيد

تقوم حيازة الملك في القانون المدني اليمني على الاستيلاء ووضع اليد ومظاهر التصرف في الشيء بمظهر المالك. وقد عرّفت المادة (1103) الحيازة بأنها:

«الثبوت (الحيازة) هو استيلاء الشخص على الشيء ووضع يده عليه منقولا كان او عقارا»

وأقامت حيازة الملك على تصرف الحائز في الشيء الذي يحوزه بأي نوع من أنواع التصرفات ظاهراً عليه بمظهر المالك.

ومن ثم فإن التوقف عن الاستغلال أو انقطاع بعض مظاهر الحيازة لا يؤدي بذاته إلى زوالها، إذ يتعين التمييز بين توقف مؤقت لا يزيل الحيازة وبين فقد حقيقي للحيازة وقيام حيازة أخرى محلها.

وهذا ما أكدته المادة (1107) بنصها:

«لا تزول حيازة الملك بمانع وقتي يمنع الحائز من السيطرة الفعلية على الشيء كغياب الحائز عن مكانه او وجود عذر لديه من صغر او جنون ونحو ذلك.»

فالمعيار ليس استمرار الاستغلال أو السيطرة الفعلية المباشرة في كل لحظة، وإنما ثبوت زوال الحيازة ذاتها.

أولاً: الأساس القانوني لحيازة الملك

تقوم حيازة الملك على الاستيلاء ووضع اليد والتصرف في الشيء بما يظهر الحائز بمظهر المالك، وفقاً للمادتين (1103) و(1104) من القانون المدني.

ولا يلزم أن يباشر الحائز جميع مظاهر الحيازة بنفسه بصورة مادية مستمرة؛ فقد أجازت المادة (1106) أن تكون حيازة الملك بواسطة شخص آخر خاضع للحائز ويأتمر بأوامره فيما يتعلق بها.

وعليه، فإن غياب المباشرة المادية أو توقف بعض مظاهر الاستعمال لا يعني بذاته انقطاع الحيازة، ما لم تثبت واقعة تؤدي إلى زوالها.

ثانياً: التوقف عن الاستعمال لا يثبت بذاته فقد الحيازة

لما كانت المادة (1107) قد صانت حيازة الملك من أثر المانع الوقتي الذي يحول دون السيطرة الفعلية، فإن مجرد توقف الحائز عن الاستعمال لا يكفي للقول بزوال حيازته.

فعدم الاستعمال واقعة سلبية، أما قيام حيازة الغير فهو واقعة إيجابية تتطلب الاستيلاء ووضع اليد ومظاهر الحيازة.

ومن ثم لا يصح أن يستخلص من مجرد القول:

«إن الحائز السابق لم يستعمل الشيء»

نتيجة مفادها:

«أن الغير أصبح حائزاً له».

بل يجب إثبات الواقعة المنشئة للحيازة الجديدة، فضلاً عن إثبات زوال الحيازة السابقة إذا كان المدعي يدعي حلول حيازته محلها.

وبذلك يكون الضابط:

التوقف عن الاستعمال لا يساوي فقد الحيازة، وعدم الاستعمال لا ينشئ حيازة للغير.

ثالثاً: من هو الحائز؟ والأصل في الحيازة

قبل بحث استحقاق الحماية، يجب تحديد صاحب الحيازة أصلاً.

فإذا ادعى شخص أنه الحائز، بينما كانت يد شخص آخر ثابتة على الشيء، فلا يكفي مجرد الادعاء أو وصف المدعي لمركزه بأنه «وضع ظاهر»، وإنما يجب التحقق من وجود الحيازة ذاتها ومن مظاهرها.

وقد قررت المادة (1111):

«من كان حائزا لشيء او حق اعتبر مالكا له ما لم يقم الدليل على غير ذلك.»

كما نصت المادة (1112) على أن:

«اليد الثابتة على الشيء قرينة ظاهره على الملك»

فإذا ثبتت يد شخص وحيازته، كان الأصل بقاء هذا المركز إلى أن يثبت خلافه.

ومن ثم:

الأصل هو الحيازة القائمة، ولا تنتزع بمجرد ادعاء حيازة أخرى.

رابعاً: انتقال الحيازة لا يفترض بل يثبت

نصت المادة (1108) على ان:

«تنتقل حيازة الملك من شخص الى اخر بنفس الاسباب التي تنتقل بها الملكية كالميراث والتصرف الناقل للملكية.»

كما نظمت المادتان (1109) و(1110) صوراً أخرى لانتقال الحيازة واستمرارها.

وبناءً عليه، فإن من يدعي أن الحيازة انتقلت إليه لا يكفيه أن يثبت توقف الحائز السابق عن الاستعمال، وإنما عليه أن يثبت:

زوال الحيازة السابقة؛

قيام حيازته هو؛

وسبب انتقال الحيازة إليه متى كان الانتقال قائماً على سبب.

فإذا لم يثبت سوى عدم استعمال الحائز السابق، بقيت هذه الواقعة وحدها غير كافية لإثبات انتقال الحيازة.

ومن هنا:

من يدعي انتقال الحيازة لا يثبتها بمجرد إثبات عدم الاستعمال، وإنما بإثبات واقعة الانتقال وقيام الحيازة الجديدة.

خامساً: من يستحق الحماية الحيازية؟

الحماية الحيازية ترد على وضع ظاهر قائم، ولا تنشئ للمدعي وضعاً لم يثبت وجوده.

فإذا كان المدعي لا يثبت له سوى الادعاء بالحيازة، بينما يثبت للمدعى عليه وضع اليد ومظاهر الحيازة، فلا يكفي أن يصف المدعي نفسه بأنه صاحب الوضع الظاهر حتى يستحق الحماية أو تُنزع اليد القائمة.

وقد أكد القانون حماية اليد الثابتة، فنصت المادة (1117) على:

«ليس لمدعي الملك أن ينزع يد الثابت على الشيء بدون رضاه الا بحكم قضائي وله ان يلجا الى القضاء.»

وعليه فإن القاعدة في هذا المقام:

«الحماية لا تنشئ الوضع الظاهر، وإنما تحمي الوضع الظاهر القائم.»

فإذا كان أحد الخصمين هو صاحب الحيازة الثابتة، بينما لم يثبت للخصم الآخر وضع حيازي قائم، فلا يكون مجرد الادعاء سبباً لتقديم حيازة المدعي على الحيازة الثابتة.

سادساً: متى يكون النزاع في الحيازة نزاعاً موضوعياً؟

يختلف طلب حماية الحيازة الثابتة عن النزاع في من هو الحائز أصلاً.

فإذا كانت الحيازة ظاهرة وثابتة، ووقع عليها تعرض مادي، فإن النزاع ينصب على حماية مركز حيازي قائم.

أما إذا كان المدعي لا يملك حيازة ظاهرة، وإنما يطلب من القضاء أن يقرر أنه أصبح الحائز لأن الحائز السابق توقف عن الاستعمال، فإن الفصل في طلبه يستلزم بحث:

من كان الحائز؛

وهل زالت حيازته؛

ومتى زالت؛

وكيف انتقلت؛

وهل قامت للمدعي حيازة فعلية.

فهنا لا يكون النزاع مجرد تعرض لحيازة ثابتة، وإنما يكون النزاع في أصل المركز الحيازي ومن هو الحائز أصلاً.

وهذه مسائل موضوعية متى كان حسمها يحتاج إلى تحقيق في أصل الحيازة وفقدها وانتقالها.

سابعاً: أثر ذلك في القضاء المستعجل

نصت المادة (238) من قانون المرافعات والتنفيذ المدني على أن:

«القضاء المستعجل حكم مؤقت بتدبير وقتي أو تحفظي يصدر في المسائل المستعجلة التي يخشى عليها من فوات الوقت دون التعرض لأصل الحق.»

كما عدت المادة (240) من المسائل المستعجلة طلب استرداد الحيازة وطلب منع التعرض المادي وإزالة العدوان.

وبذلك لا يصح القول إن كل منازعة حيازية تخرج من نطاق القضاء المستعجل؛ إذ يمكن حماية الحيازة الظاهرة الثابتة عند وقوع تعرض مادي عليها متى توافرت شروط الاستعجال.

لكن الاسترداد المستعجل يفترض وجود حيازة سابقة ظاهرة يدعي صاحبها انتزاعها.

أما إذا كانت حيازة المدعي نفسها غير ثابتة، وكان لا سبيل إلى إثباتها إلا بإثبات زوال حيازة خصمه وانتقالها إليه، فإن القضاء المستعجل لا يكون بصدد حماية وضع ظاهر، وإنما بصدد تحديد أصل المركز الحيازي.

ومن ثم:

لا يجوز اتخاذ القضاء المستعجل وسيلة لإنشاء حيازة لم تثبت للمدعي، أو لحسم النزاع الموضوعي حول من هو الحائز أصلاً، متى كان ذلك يستلزم تحقيق واقعة فقد الحيازة وانتقالها.

ثامناً: القاعدة الجامعة

تنتظم المسألة في قواعد مترابطة لا حاجة لتكرارها في مواضع متعددة:

أولاً: الحائز هو من تثبت له الحيازة بالاستيلاء ووضع اليد ومظاهرها القانونية.

ثانياً: التوقف عن الاستعمال أو المانع الوقتي لا يزيل الحيازة بذاته.

ثالثاً: عدم الاستعمال لا ينشئ حيازة للغير.

رابعاً: من يدعي انتقال الحيازة إليه يجب أن يثبت زوال الحيازة السابقة وقيام حيازته وانتقالها إليه.

خامساً: الأصل بقاء الحيازة الثابتة، ولا تنتزع بمجرد الادعاء.

سادساً: الحماية الحيازية تحمي الوضع الظاهر القائم، ولا تنشئ للمدعي وضعاً غير ثابت.

سابعاً: إذا كان النزاع في أصل الحيازة ومن هو الحائز، وكان حسمه يتطلب تحقيق واقعة فقد الحيازة وانتقالها، فهو نزاع موضوعي لا يجوز حسمه بطريق القضاء المستعجل.

خاتمة

المادة (1107) لا تجعل استمرار الاستغلال شرطاً لبقاء الحيازة، وإنما تقرر أن المانع الوقتي الذي يحول دون السيطرة الفعلية لا يزيلها. ولذلك لا يكفي إثبات توقف الحائز عن الاستعمال للقول بفقد حيازته، ولا يكفي هذا التوقف وحده لإثبات قيام حيازة الغير.

والفارق الجوهري هو أن عدم الاستعمال واقعة سلبية، أما انتقال الحيازة فواقعة إيجابية تحتاج إلى إثبات.

ومن ثم فإن تحديد صاحب الحماية يسبقه تحديد صاحب الحيازة: فإذا ثبتت الحيازة لشخص، فلا تُنتزع منه لمجرد أن غيره ادعى وجود وضع ظاهر له؛ إذ لا حماية لوضع لم يثبت قيامه.

وعندما يكون النزاع منصباً على أصل الحيازة ذاتها، وعلى السؤال: من هو الحائز؟ وهل فقد حيازته؟ وهل انتقلت إلى غيره؟ فإن الأمر يتجاوز مجرد حماية وضع ظاهر إلى بحث موضوعي في المركز الحيازي.

ومن هنا نخلص الى ان :

«الحماية الحيازية تحمي وضعاً ظاهراً قائماً، ولا تنشئ وضعاً غير قائم؛ ولا يثبت فقد الحيازة أو انتقالها بمجرد عدم الاستعمال أو الادعاء، وإنما بالدليل على زوال الحيازة السابقة وقيام الحيازة الجديدة وانتقالها وفقاً للقانون.»

المحامي/ خالد يحيى الحميري