ضمانات
مبدأ "لا ضريبة إلا بقانون"
ومدى
التزام المشرع اليمني بهذا المبدأ الدستوري (من دستور 1991وتعديلاته) وحدود
التفويض التشريعي للإدارة
نص الدستور اليمني في
المادة (13) على ان: (أ-إنشاء الضرائب العامة وتعديلها وإلغاؤها لا
يكون إلا بقانون، ولا يعفى أحد من أدائها كلها أو بعضها إلا في الأحوال المبينة في
القانون، ولا يجوز تكليف أحد بأداء غير ذلك من الضرائب والتكاليف العامة إلا
بقانون، ب-إنشاء الرسوم وجبايتها وأوجه صرفها وتعديلها والإعفاء منها لا يكون إلا
بقانون) ومؤدى ذلك أن
الضريبة لا تنشأ بإرادة الإدارة ولا تستند إلى لائحة أو تعليمات داخلية، وإنما لا
بد أن يكون مصدرها نصاً تشريعياً صريحاً يحدد أساسها ونطاقها وآثارها.
أولاً:
ضمانات مبدأ "لا ضريبة إلا بقانون":
تتمثل أولى الضمانات في حصر الاختصاص
الضريبي في يد المشرّع، فلا يجوز للإدارة أن تنشئ ضريبة جديدة، أو تعدل ضريبة
قائمة، أو تقرر إعفاءً لم يرد به نص، لأن الضريبة تمس الذمة المالية للمكلف، ومن
ثم فإن تقريرها أو تعديلها يدخل في جوهر الاختصاص التشريعي لا في نطاق السلطة
التنفيذية. ([1])
ولا تقف الضمانة عند مجرد صدور الضريبة بقانون، بل يجب أن يكون القانون
ذاته منسجماً مع مقتضيات العدالة، إذ نصت على ذلك المادة (12) من الدستور على
ان: يراعى في فرض الضرائب والتكاليف
العامة مصلحة المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية بين المواطنين، كما قررت المادة
(15) من نفس القانون على أن : يحدد
القانون القواعد الأساسية لجباية الأموال العامة وإجراءات صرفها، أي أن قواعد الضرائب لا تترك لتوجيهات إدارية، بل يحددها القانون.
وتتأكد الضمانة
كذلك من خلال تقييد اللوائح التنفيذية، فقد أجازت المادة (120) من الدستور
إصدار اللوائح والقرارات اللازمة لتنفيذ القوانين، لكنها منعت أن يترتب عليها
تعطيل أحكام القانون أو الإعفاء من تنفيذه، وبذلك لا يجوز أن تتحول اللائحة
الضريبية إلى وسيلة لإنشاء وعاء جديد، أو تعديل سعر الضريبة، أو إضافة إعفاء، أو
توسيع نطاق الخضوع.
وتكتمل هذه
الضمانات بالرقابة الدستورية على النص الضريبي، لأن مخالفة القانون الضريبي
للدستور تفتح طريق الطعن عليه أمام القضاء الدستوري للتحقق من مدى اتفاقه مع
القواعد الدستورية الحاكمة للضريبة ([2])، كما أن النصوص الضريبية يجب أن تفسر في حدودها، فلا يجوز أن يؤدي
التفسير الإداري إلى فرض عبء لم يقرره المشرّع.([3])
ثانياً: مدى التزام المشرّع اليمني بمبدأ "لا ضريبة إلا بقانون":
يتضح التزام المشرّع اليمني بمبدأ "لا
ضريبة إلا بقانون "من حيث الأصل، إذ لم تُنظم الضرائب الأساسية بقرارات
إدارية، بل صدرت بقوانين، فنُظمت ضريبة الدخل بالقانون رقم (17) لسنة 2010م،
ونُظمت الضريبة العامة على المبيعات بالقانون رقم (19) لسنة 2001م وتعديلاته، كما
جعل المشرّع النص القانوني هو حجر الزاوية في تحديد أصل الخضوع الضريبي ومفاهيمه
الأساسية، فنص قانون ضرائب الدخل في المادة (2) على التعريفات اللازمة للتطبيق،
ونظم قانون الضريبة العامة على المبيعات في المواد (2)، و(6)، و(7) أصل الخضوع
والتسجيل وحدّه، مع ترك التفاصيل الإجرائية للائحة التنفيذية، ومؤدى ذلك أن
الإدارة لا تتدخل في إنشاء الالتزام الضريبي، وإنما يقتصر دورها على التنفيذ، ما
دام التفويض لا يمس جوهر الضريبة أو المركز القانوني للمكلف.
ثالثاً: حدود التفويض التشريعي للإدارة الضريبية:
الأصل أن التفويض في المجال الضريبي يظل
محصوراً في الإطار التنفيذي، فلا يجوز أن تتحول السلطة التنفيذية إلى مشرّع موازٍ
يضع قواعد ضريبية جديدة، وإنما يقتصر دورها على استكمال تطبيق النص الضريبي في
الحدود التي رسمها القانون. ([4])
ويجوز تفويض الإدارة في المسائل الفنية
والإجرائية، كنماذج الإقرارات، ومواعيد التسجيل، وإجراءات الفحص والتحصيل والطعن،
لأنها لا تنشئ الضريبة، وإنما تنظم تطبيقها أما الوعاء، والسعر، والمكلف،
والإعفاء، والواقعة المنشئة، فهي عناصر جوهرية لا يجوز تركها للائحة أو للقرار
الإداري، ويظهر نطاق هذا التفويض في قانون ضرائب الدخل من خلال المادة (73)
:التي أجازت للوزير تحديد الأسس والمستويات لفئتي كبار ومتوسطي المكلفين، ومن
خلال المادة (169): التي خولت الوزير إصدار اللائحة التنفيذية والقرارات
المنفذة للقانون، وهذا التفويض لا يكون مشروعاً إلا إذا بقي في حدود التنظيم
والتنفيذ، أما إذا استخدم لإضافة التزام ضريبي أو تعديل عنصر جوهري، فإنه يكون
مخالفاً لمبدأ "لا ضريبة إلا بقانون"، وتطبيقاً لذلك صدر قرار وزير
المالية رقم (508) لسنة 2010م بإصدار اللائحة التنفيذية لقانون ضرائب الدخل رقم
(17) لسنة 2010م، ويُعد هذا القرار مشروعاً في حدوده التنفيذية متى اقتصر على
بيان إجراءات تطبيق القانون دون أن ينشئ ضريبة أو يعدل وعاءها أو سعرها أو إعفاءاتها،
ولا تقف حدود الإدارة عند إصدار اللوائح،
بل تمتد إلى الرقابة والفحص، أما حق الاطلاع والتفتيش مقيدان بضوابط تحمي المكلف
وخصوصيته، كما تلتزم الإدارة بسرية المعلومات التي تحصل عليها أثناء مباشرة
اختصاصها.([5])، لذلك فإن
منح الإدارة سلطة رقابية يجب أن يقابله نظام ضمانات للمكلف حتى لا تتحول الرقابة
الضريبية إلى وسيلة ضغط أو تعسف خارج حدود القانون.([6])
وبذلك يخلص البحث إلى أن مبدأ "لا ضريبة إلا بقانون" لا يعد مجرد قاعدة
شكلية في إصدار التشريع الضريبي، بل يمثل ضمانة دستورية جوهرية تقيد سلطة الإدارة
وتحمي المكلف من أي عبء مالي لا يستند إلى نص تشريعي صريح، وقد ظهر التزام المشرّع
اليمني بهذا المبدأ في أصل تنظيم الضرائب، إذ صدرت الضرائب الأساسية بقوانين، لا
بقرارات إدارية غير أن هذا الالتزام لا يكتمل إلا ببقاء العناصر الجوهرية للضريبة،
كالوعاء والسعر والمكلف والإعفاء والواقعة المنشئة، في يد المشرّع وحده، وأن يظل
دور الإدارة محصوراً في التنفيذ والتفصيل الإجرائي، ومن ثم فإن كل تفويض يتجاوز
هذا النطاق يُعد مساساً بمبدأ المشروعية الضريبية، لذلك يتعين تفسيره تفسيراً ضيقاً
حمايةً للمكلف، ومنعاً لانحراف السلطة التنفيذية عن حدودها الدستورية.
المراجع:
1- دستور الجمهورية اليمنية
لسنة 1991م وتعديلاته.
2- قانون رقم (17) لسنة
2010م بشأن ضرائب الدخل.
3- قانون رقم (19) لسنة
2001م بشأن الضريبة العامة على المبيعات وتعديلاته.
4- د. محمد علي عوض
الحرازي، التشريع الضريبي اليمني: أحكام قانون ضرائب الدخل رقم (17) لسنة 2010م،
الطبعة الأولى، مكتبة خالد بن الوليد للطباعة والنشر والتوزيع، صنعاء، 2014م.
5- د. بشير علي باز،
الحكم الصادر بعدم دستورية القوانين الضريبية بين الأثرين المنشئ والكاشف: دراسة
مقارنة، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، كلية الحقوق، جامعة المنوفية، العدد
(37)، الجزء الثاني، مايو 2013م.
6- د. رائد ناجي أحمد،
د. إسماعيل فاضل حلواص، أحوال توزيع الاختصاص الضريبي بين السلطتين التشريعية
والتنفيذية في ظل الدستور العراقي النافذ لسنة 2005، مجلة دراسات قانونية، بيت
الحكمة، كلية الحقوق، جامعة الفلوجة، العدد (42)، 2017م.
7-
بلغواطي سميرة، زعبي عمار، ضمانات المكلف بالضريبة في مواجهة سلطة
الإدارة الجبائية أثناء تأسيس الضريبة، مجلة الفكر القانوني والسياسي، المجلد
السابع، العدد (2)، 2023م.
إعداد الأستاذة /
دعاء عادل المقبلي.
إشراف الأستاذ /
سليمان نبيل الحميري.
[1] د. بشير علي باز، الحكم
الصادر بعدم دستورية القوانين الضريبية بين الأثرين المنشئ والكاشف: دراسة مقارنة،
مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، كلية الحقوق، جامعة المنوفية، العدد (37)، الجزء
الثاني، مايو 2013م، ص 559.
[2] المرجع نفسه، المادة (120)، ص560.
[3] د. محمد علي عوض الحرازي،
التشريع الضريبي اليمني: أحكام قانون ضرائب الدخل رقم (17) لسنة 2010م، الطبعة
الاولى، مكتبة خالد بن الوليد للطباعة والنشر والتوزيع، صنعاء، 2014م، ص 53.
[4] أ.د. رائد ناجي أحمد، د.
إسماعيل فاضل حلواص، أحوال توزيع الاختصاص الضريبي بين السلطتين التشريعية
والتنفيذية في ظل الدستور العراقي النافذ لسنة 2005، ص 38.
[5] د. محمد علي عوض الحرازي، التشريع
الضريبي اليمني: أحكام قانون ضرائب الدخل رقم (17) لسنة 2010م، الطبعة الاولى،
مكتبة خالد بن الوليد للطباعة والنشر والتوزيع، صنعاء، 2014م، ص297–306، ص 327.
[6] بلغواطي سميرة، زعبي عمار،
ضمانات المكلف بالضريبة في مواجهة سلطة الإدارة الجبائية أثناء تأسيس الضريبة،
مجلة الفكر القانوني والسياسي، المجلد السابع، العدد الثاني، 2023م.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق