‏إظهار الرسائل ذات التسميات الوقف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الوقف. إظهار كافة الرسائل

الحكمة من مشروعية الاوقاف والاصل الاباحة


1- إن الحكمة من مشروعية الوقف في الشريعة الإسلامية تكمن في كونه "قربة" يتقرب بها العبد إلى الله تعالى؛ فإذا كان الله سبحانه هو الخالق والمالك الحقيقي لكل شيء ملكاً مطلقاً، إلا أن حكمته قد اقتضت أن يسخر ما في الأرض لعباده، جاعلاً المركز القانوني الأصلي لها هو (الإباحة والحرية). ثم شرع الوقف بعد ذلك ليكون مضماراً يتميز فيه من ينفق ابتغاء مرضاة الله بأن يمنح من حر ماله الذي اكتسبه بسببه الشرعي والقانوني المعتبر (كالشراء، أو الإحياء، أو التحجر، أو الميراث لكونه خلافة في ملك مستقر). وبناءً عليه، فإن الأصل الثابت والمستصحب هو أن الأموال جميعها حرة وليست وقفاً، ولا يعد المال موقوفاً إلا ما أخرجه إنسان "مالك" له من ذمته الخاصة إلى ذمة الوقف.

٢- في اللغة، الوقف هو "الحبس"، ولا يُتصور لغةً أن يحبس الإنسانُ ما ليس تحت يده أو ما هو شائع في ملكية غيره. ويتجلى هذا الربط المحكم في قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ}. فلفظ "القرض" يقتضي وجوباً سبق التملك؛ إذ لا يتصور عقلاً ولا شرعاً أن "يُقرض" العبدُ ربَّه مالاً هو في الأصل ملك لله بالمعنى العام (الإباحة) ولم يدخل في ملكية العبد الفردية أولاً. إن القرض في لسان العرب هو "ما تعطيه لتُجزى عليه"، والعبد لا يُقرض إلا ما ملكته يده يقيناً، سواء كان ذلك بجهده المباشر أو بما انتقل إليه إرثاً عن أسلافه، لقوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ}؛ فهذا النص جعل "الميراث" سبباً شرعياً قطعياً لثبوت الملكية التي هي شرط لصحة القربة.

٣- لقد جسد المشرع اليمني هذه الحكمة بجعل "الإباحة والحرية" هي المركز القانوني الأصلي للأرض (المادة 1234 مدني)، وجعل "التحجر" وسيلة العبد للتميز والاختصاص (المادة 1244 مدني). وهذا التنظيم يخدم الغاية من الوقف؛ إذ يتيح للفرد اكتساب "حق الأولوية" ثم "الملك"، ليكون قادراً على ممارسة القربة (الوقف) من حر ماله. وبناءً عليه، فإن بقاء الأرض على أصل الإباحة والحرية هو الأصل، ولا تُصرف الأراضي إلى دائرة الوقف بمجرد الظن، لأن صرفها بغير تملك سابق للواقف يعد إهداراً لعلة الوقف وتعدياً على أصل الإباحة التي جعلها الله لعباده كافة.

وبالتالي /إذا كان الأصل في الأموال هو (الحرية والإباحة)، فإن قيام الإدارة (جهة الأوقاف) بوضع يدها على مساحات من الأراضي تحت مسمى "الحرم" أو "التحجر الإداري" يعد إجراءً فاقداً للسند الشرعي والقانوني إذا طال أموالاً خاصة أو أراضيَ مواتاً. فالتشريع لم يجعل من "الإدارة" (واقفاً)، بل جعلها "ناظراً" على ما ثبتت وقفيته بيقين. وعليه، فإن تحجر الأوقاف على الأموال لا ينشئ وقفية، بل هو مجرد "وضع يد" لا يواجه أصل الملكية، لقوله ﷺ: "إنَّ دِماءَكُمْ وأَمْوالَكُمْ وأَعْراضَكُمْ علَيْكُم حَرامٌ". فالإدارة لا تملك "إنشاء" الأوقاف بالتحجر القسري، لأن الوقف لا ينشأ إلا بإرادة مالكٍ معتبر، وما يتم الاستيلاء عليه إدارياً يفتقر إلى الركن الركين وهو "رضا الواقف المالك".

إن من أدق القواعد التي استوعبها التنظيم القانوني هي أن "تحجر الأوقاف لا يعد وقفاً"؛ فإذا قامت جهة الأوقاف "بتحجر" أرض موات، فإن هذا الفعل لا يكسبها صفة الوقفية، لعلة جوهرية هي: انعدام الواقف المالك. فالوقف يقتضي وجود شخص (واقف) يخرج المال من ملكه إلى ذمة الوقف، أما أن تقوم جهة الوقف بحيازة أرض مباحة (تحجراً)، فإنها تظل أرضاً "تحت يد الأوقاف" وليست "وقفاً"، لأنها لم تمر بمرحلة التملك الفردي الذي يسبق القربة. إن اعتبار تحجر الأوقاف وقفاً هو "مصادرة" لأصل الإباحة، وتعطيل للحكمة من مشروعية الوقف التي تقوم على بذل المملوك لا على الاستيلاء على المباح.

وبهذا نجد ان الوقف تصرف في "مملوك"، والغاية منه هي "القربة". وبما أن "ما لا يُملك لا يُقرض"، فإن كل أرض لم يثبت خروجها من ذمة مالكٍ (بصك وقف صحيح وسند ملكية مسبق) تظل باقية على أصلها: "حرة مباحة". والتحجر الإداري على أملاك الناس أو الموات هو قلبٌ لحقائق الشريعة؛ فالحكمة هي "التبرع" لا "المصادرة"، والأصل هو "الحرية" لا "الوقفية".


المراجع:

القرآن الكريم (سورة البقرة، سورة النساء).

السنة النبوية (خطبة الوداع).

القانون المدني اليمني (المواد 1234، 1244، 1101).

قانون الوقف الشرعي (المادة 7).


مبادئ المحكمة العليا اليمنية في استصحاب أصل الحرية.