(الصلح الواقي من الإفلاس في القانون اليمني والفقه الإسلامي)

 

تمهيد:

يُعد الصلح الواقي من الإفلاس من أهم النظم القانونية الحديثة التي استحدثتها التشريعات التجارية لمواجهة الأزمات المالية التي قد يتعرض لها التاجر.

فالتجارة بطبيعتها معرضة للمخاطر والتقلبات الاقتصادية، وقد يواجه التاجر صعوبات تؤدي إلى اضطراب أعماله وتهديد قدرته على الوفاء بالتزاماته، دون أن يكون ذلك ناشئًا عن غش أو سوء نية.

وهنا يظهر دور الصلح الواقي كآلية تهدف إلى حماية المدين حسن النية من الانهيار الكامل، وفي الوقت ذاته ضمان قدر من العدالة للدائنين.

وتنبع أهمية دراسة هذا النظام من كونه أداة لحماية الائتمان التجاري، إذ يسهم في استمرار المؤسسات الاقتصادية بدلًا من تصفيتها وإفلاسها، ويحافظ على العمالة المرتبطة بها، ويعزز الثقة في المعاملات التجارية.

كما أن البحث في الصلح الواقي يكتسب قيمة إضافية عند مقارنته بالفقه الإسلامي، الذي سبق إلى تقرير مبادئ مشابهة تقوم على التيسير على المعسر وحماية مصالح الدائنين، ومنحه فرصة للسداد عند العجز، لقوله سبحانه وتعالى: (وان كان ذو عسرة فنظرة الى ميسرة)[1].

وقوله صلى الله عليه وسلم: (من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)[2].

وإذا كانت التشريعات الحديثة قد وضعت إجراءات تفصيلية للصلح الواقي، فإن الفقه الإسلامي قد تناول ذات الموضوع بروح القواعد العامة للصلح والإعسار، وهو ما يمنح البحث بعدًا مقارنًا يعزز قيمته العلمية.

ومن هنا، تأتي دراسة الصلح الواقي في القانون التجاري اليمني والفقه الإسلامي لتكشف مدى الانسجام بين التشريع الوضعي والشريعة الإسلامية في تحقيق التوازن بين المدين والدائن، وحماية استقرار المعاملات.

أهداف البحث:

-        تحليل النصوص القانونية المنظمة للصلح الواقي في القانون التجاري اليمني وبيان أسسه وأهدافه.

-        بيان فلسفة المقنن في تقرير هذا النظام.

-        استجلاء الضمانات المقررة للدائنين والمدين على حد سواء.

-        مقارنة موجزة بالقواعد العامة والفقه الاسلامي، ومناقشة أوجه القوة والقصور.

وبيان ذلك في المباحث الاتية:

المبحث الأول: ماهية الصلح الواقي من الإفلاس واساسه القانوني والشرعي:

المطلب الاول: تعريف الصلح الواقي من الافلاس وطبيعته القانونية:

الفرع الاول: في القانون التجاري اليمني:

لم يضع المشرع تعريفا صريحا للصلح الواقي من الإفلاس، غير ان النصوص القانونية المنظمة لأحكام الصلح الواقي من الافلاس، (759) وما بعدها، توضح ملامحه ومفهومه.

فقد نصت المادة (759) على أنه:

(يجوز للتاجر الذي اضطربت أعماله اضطرابا يؤدي إلى وقوفه عن الدفع أن يطلب الصلح الواقي من الإفلاس بشرط ألا يكون قد ارتكب غشاً أو خطا جسيما وان يكون قد زاول التجارة بصفة مستمرة خلال السنتين السابقتين على تقديم الطلب)[3]

ويُفهم من هذا النص أن الصلح الواقي هو وسيلة تمكن التاجر حسن النية من التوصل إلى تسوية ودية مع دائنيه قبل أن يُشهر إفلاسه رسميا.

وبمفهوم اخر: هو نظام قانوني يمنح التاجر الذي اضطرب مركزه المالي، لكنه لم يتوقف فعليا عن دفع ديونه، فرصة للتفاوض مع دائنيه للتوصل إلى اتفاق يضمن استمراره في النشاط التجاري، وتجنب شهر إفلاسه، تحت إشراف المحكمة المختصة.

ويُمكن صياغة تعريف جامع له كالآتي:

الصلح الواقي من الإفلاس هو:

"إجراء وقائي ذو طبيعة قضائية، يُمنح للتاجر الذي اضطربت أعماله اضطرابًا خطيرًا يُنذر بتوقفه عن الدفع، ليتوصل إلى اتفاق مع دائنيه تحت إشراف القضاء، بما يتيح له الاستمرار في نشاطه التجاري، مع ضمان مصالح الدائنين".

هذا التعريف يبرز خصائص أساسية مميزة للصلح:

-        أنه إجراء وقائي يسبق الإفلاس ويحول دونه.

-        أنه ذو طبيعة قضائية يتم تحت إشراف المحكمة التجارية.

-        أنه يقوم على اتفاق تعاقدي بين المدين والدائنين.

-        أنه يهدف إلى تحقيق التوازن بين مصلحة المدين في الاستمرار ومصلحة الدائنين في استيفاء حقوقهم.

الفرع الثاني: في الفقه الإسلامي:

الفقه الإسلامي لا يعرف نظام الصلح الواقي بالمعنى الحديث، لكنه يعرف عقد الصلح عامة وأحكام الإعسار خاصة.

فالصلح في الفقه هو: عقد مشروع لقطع الخصومة ورفع النزاع.

وعرفته المادة (1539) من مجلة الاحكام العدلية الصلح بأنه: "عقد يرتفع به النزاع".

والصلح على الدين: إما أن يكون بإسقاط جزء من الدين، أو إنظاره، أو إبرائه كله.

ويمكن تعريف الصلح بأنه: "اتفاق بين المدين والدائنين على تقسيط الديون أو إسقاط جزء منها".

وعليه، فالصلح الواقي في القانون الوضعي يُعَدّ امتدادا معاصرا لفكرة الصلح والإمهال في الفقه الإسلامي.

الفرع الثالث: الطبيعة القانونية للصلح الواقي من الإفلاس:

اولا: في القانوني اليمني:

في القانون اليمني، يتضح ان الصلح الواقي من الافلاس:

·       ذو طبيعة وقائية:

الصلح الواقي ليس جزاء ولا عقوبة على التاجر، بل هو وسيلة وقائية لإنقاذه قبل السقوط في الإفلاس، فهو إجراء استباقي يمنع انهيار النشاط التجاري ويحافظ على الثقة في السوق.

·       ذو طبيعة مزدوجة (عقدية وقضائية):

الصلح الواقي عقد بين المدين ودائنيه، يقوم على التراضي، لكنه لا يكتسب قوته الملزمة إلا بعد تصديق المحكمة، مما يمنحه صفة قضائية جماعية تتجاوز حدود الإرادة الفردية.

·       ذو طبيعة جماعية:

الصلح الواقي يلزم جميع الدائنين العاديين متى صدقت عليه المحكمة، حتى من لم يوافق منهم، وهذا يميّزه عن الصلح العادي الذي لا يسري إلا على من قبله.

·       ذو طبيعة توازنيه:

يقوم الصلح الواقي على موازنة دقيقة بين إنقاذ المدين من الإفلاس وبين حماية مصالح الدائنين، فلا يغلب أحد الطرفين على الآخر.

ثانيا: في الفقه الإسلامي:

يعتبر عقدا رضائيا بين المدين والدائنين، لتسوية الدين بما يرفع الضرر عن جميع الأطراف، ويستند الى ادلة من القران والسنة، ويهدف الى حماية المدين من الإفلاس المفاجئ، وتحقيق المصلحة العامة، وحفظ حقوق الدائنين ويجوز فيه اسقاط جزء من الدين او جدولته وفق رضا جميع الأطراف.

ومن خلال ذلك يتضح:

ان القانون اليمني جمع بين الطبيعة العقدية للصلح الفقهي، وبين الضمان القضائي لضمان تنفيذ الاتفاق وحماية الاستقرار المالي، بما يحقق التوازن بين مصلحة المدين ومصلحة الدائنين، ويتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية، في إزالة الضرر وتحقيق العدالة.

المطلب الثاني: الأساس التشريعي والشرعي للصلح الواقي من الإفلاس:

الفرع الاول: في القانون اليمني:

استند القانون اليمني في إقراره لنظام الصلح الواقي من الافلاس إلى أحكام الفقه الإسلامي المتعلقة بـ إنظار المعسر والصلح بين الخصوم، وفقا لما جاء في الباب الثالث من الكتاب الرابع من القانون التجاري اليمني.

وورد في المادة (363) من قانون المرافعات اليمني ما يعزز هذا المبدأ، حيث نصت على وجوب انهاء إجراءات التنفيذ بقوة القانون:

(إذا ثبت بحكم قضائي إعسار أو إفلاس المنفذ ضده وفي هذه الحالة يفرج عنه إلى أن يثبت فيها إيساره أو تمضي مدة يمكن فيها الإيسار عادة)[4].

الفرع الثاني: في الفقه الإسلامي:

اجمع جمهور الفقهاء على أن الصلح مشروع إذا كان يهدف إلى رفع النزاع وتسوية الحقوق، ولا يترتب عليه إبطال حق أو إجازة محرم.

واستدلوا على مشروعية الصلح عموما، بالعديد من الأدلة منها:

-        من القرآن الكريم: قوله سبحانه وتعالى: (والصلح خير)[5]

-        من السنة النبوية: حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا)[6].

كما اتفق الفقهاء على وجوب إمهال المدين المعسر ومنع حبسه حتى يتيسر له السداد، وذلك بما يحقق التوازن بين حقوق الدائنين ومصلحة المدين. [7]

واستدلوا على هذا المبدأ الشرعي في امهال المدين المعسر بالعديد من الأدلة منها:

-        من القرآن الكريم: قوله سبحانه وتعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة الى ميسرة)[8].

-          من السنة النبوية: ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمييزه بين المماطل والمعسر بالحديث القائل: (مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع)[9]

وما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تشجيعه على الإنظار والإبراء بالحديث القائل: (من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)[10].

وبذلك يُفهم أن الشريعة الإسلامية توجب التفرقة بين المعسر حسن النية الذي يُمهل حتى الميسرة، وبين المماطل سيئ النية الذي يجوز حبسه وإلزامه بالدفع.

وبالتالي: تمثل قاعدة النظر إلى المدين المعسر الأساس الفقهي لنظام الصلح الواقي.

ويلاحظ هنا:

ان الأساس الشرعي للصلح الواقي ثابت بوضوح في نصوص الشريعة الاسلامية، غير أن القانون الوضعي زاد بعدا جديدًا هو الإلزام الجماعي للدائنين بمبدأ الأغلبية، وهو أمر لا يعرفه الفقه الإسلامي التقليدي القائم على مبدأ الرضا الفردي.

ومع ذلك يمكن تبرير هذا التطوير بقاعدة "تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة"، حيث تمثل المحكمة سلطة عامة تحقق مصلحة المجتمع التجاري.

الفرع الثالث: مدى توافق القانون اليمني مع الفقه الإسلامي:

من خلال ما تقدم يتضح ان القانون التجاري اليمني ينسجم مع الشريعة الإسلامية، في نظام الصلح الواقي من الافلاس، اذ توازن النصوص القانونية بين مصلحة التاجر ومصلحة الدائنين، مع منح القاضي دورا رقابيا جوهريا، ويظهر ذلك من خلال:

-        تمكين المدين المعسر حسن النية من طلب الصلح.

-        مراعاة مبدأ نظرة إلى ميسرة.

-         المساواة بين الدائنين في توزيع الديون، وهو ما يتفق مع قواعد العدل في الفقه الإسلامي.

المطلب الثالث: تمييز الصلح الواقي عن الأنظمة المشابهة:

·       الفرق بينه وبينه الصلح القضائي في الإفلاس:

الصلح الواقي يسبق الإفلاس ويحول دونه، أما الصلح القضائي فهو مرحلة من مراحل الإفلاس، كذلك في الصلح الواقي يحتفظ المدين بإدارة أمواله تحت إشراف الرقيب، بينما في الإفلاس تسلب الإدارة منه.

·       الفرق بينه وبين التسوية الودية:

الصلح الواقي نظام قضائي منصوص عليه في القانون، بينما التسويات الودية مرنة وتخضع لإرادة الأطراف.

·       الفرق الجوهري بينه وبين نظام الإفلاس ذاته:

الإفلاس جزاء قانوني على التوقف عن الدفع، بينما الصلح الواقي وسيلة وقائية تجنبا لهذا الجزاء.

ومن خلال ما تقدم: يتبين أن الصلح الواقي من الإفلاس ليس ابتكارا غريبا عن النظام القانوني أو الفقهي، وإنما هو تطوير تشريعي حديث لجذور أصيلة في الفقه الإسلامي. وإذا كان القانون التجاري اليمني قد صاغه ضمن إجراءات مفصلة، فإن جوهره يظل متفقا مع مقاصد الشريعة في التيسير على المعسر وتحقيق العدالة بين الأطراف.

المبحث الثاني: الشروط القانونية لطلب الصلح الواقي من الإفلاس ونظر المحكمة في الطلب:

اقتضت المنهجية القانونية والمنطق التشريعي أن يبدأ ببيان الشروط الموضوعية لطلب الصلح الواقي من الإفلاس قبل التعرض للشروط الشكلية والإجرائية.

ذلك أن الشروط الموضوعية تتعلق بجوهر الحق ذاته، من حيث صفة المدين وأهليته ونزاهته، وهي تمثل الأساس الذي ينبني عليه الحق في طلب الصلح، وفي حال عدم توافر هذه الشروط، ينتفي الحق في اللجوء إلى الصلح، ولو استوفى المدين جميع المتطلبات الشكلية.

أما الشروط الشكلية فلا محل لها إلا إذا ثبت ابتداءً أن المدين يملك الحق في طلب الصلح من الناحية الموضوعية، فهي لا تعدو أن تكون إطارًا إجرائيًا لممارسة هذا الحق.

ومن ثمّ، كان من الطبيعي أن يبدأ هذا الفصل بالشروط الموضوعية ثم ينتقل إلى الشكلية، تمشيًا مع المنطق القانوني الذي يقدم الجوهر على الشكل، والأصل على الفرع.

وقد حدد المقنن اليمني في القانون التجاري مجموعة من الشروط الموضوعية والشكلية التي يجب توافرها لقبول طلب التاجر للصلح الواقي من الإفلاس وبيانها فيما يلي:

المطلب الاول: الشروط الموضوعية لطلب الصلح الواقي والاطراف المخولون بطلب الصلح الواقي:

نصت المادة (759) على انه:

(يجوز للتاجر الذي اضطربت أعماله اضطرابا يؤدي إلى وقوفه عن الدفع أن يطلب الصلح الواقي من الإفلاس بشرط ألا يكون قد ارتكب غشاً أو خطا جسيما وان يكون قد زاول التجارة بصفة مستمرة خلال السنتين السابقتين على تقديم الطلب).

ومن خلال هذا النص يتضح: ان المقنن قصر الحق في طلب الصلح الواقي على التاجر الذي اضطربت أعماله اضطرابا يؤدي إلى وقوفه عن الدفع، بشرطين جوهريين:

-        ألا يكون قد ارتكب غشا أو خطأ جسيما.

-        أن يكون قد مارس التجارة بصفة مستمرة خلال السنتين السابقتين.

ويمكن بيان هذه الشروط الموضوعية وفقا للتفصيل الاتي:

الفرع الاول: شرط الاهلية والشروط المتعلقة بالشخص الطالب للصلح:

اولا: التاجر الفرد:

اشترطت المادة (759) سالف الذكر:

-        أن يكون المدين تاجرا مارس التجارة بصفة مستمرة خلال السنتين السابقتين.

-        الا يكون قد ارتكب غشا او خطأ جسيما.

ويتضح ان الغاية من ايراد هذا الشرط هي قصر الصلح الواقي على التجار الذين لهم كيان تجاري قائم وملموس، وليس على من يزاول التجارة عرضا او بصورة غير منتظمة.

اما الفقه الإسلامي: فإنه لا يشترط صفة "التاجر"، بل ينظر إلى المدين عموما، ما يعني أن نطاق الحماية الشرعية أوسع من الحماية القانونية.

ثانيا: الورثة والخلف العام:

يمتد الحق الممنوح للتاجر الفرد إلى الورثة إذا قرروا الاستمرار في التجارة، شريطة:

-        تقديم الطلب خلال ثلاثة أشهر من الوفاة.

-        اتفاق الورثة بالإجماع على طلب الصلح، وإلا تدخلت المحكمة لترجيح مصلحة ذوي الشأن عند عدم الاتفاق بالإجماع.

وامتداد هذا الحق قررته المادة (760) حرفيا بقولها:

(لمن آل إليهم المتجر بطريقة الإرث أن يطلبوا الصلح إذا قرروا الاستمرار في التجارة وكان التاجر قبل وفاته ممن يجوز لهم الحصول على الصلح، ويجب على الورثة والموصي لهم أن يطلبوا الصلح خلال ثلاثة أشهر من تاريخ وفاة التاجر، فإذا لم يتفقوا بالإجماع على طلب الصلح، وجب على المحكمة أن تسمع أقوال من عارض منهم وان تفصل في الطلب وفقا لمصلحة ذوي الشأن)

وهنا يتضح حرص المقنن على استمرار المؤسسة التجارية وعدم إهدارها لمجرد وفاة التاجر.

الا ان اشتراط الإجماع قد يؤدي إلى شلل عملي إذا تعارضت مصالح الورثة، وكان الأجدر بالمشرع اعتماد مبدأ الأغلبية.

اما الفقه الإسلامي: فإنه يجيز للورثة الوفاء بالديون والصلح عنها، ولا يشترط الإجماع المطلق، بل يكفي من له ولاية على المال.

ثالثا: الشركات التجارية:

نصت المادة (761) على جواز منح الصلح للشركات التجارية – عدا شركات المحاصة – متى توافرت الشروط المنصوص عليها في المادة (760)، بشرط:

-        الا تكون الشركة في طور التصفية.

-        موافقة اغلبية الشركاء في شركات الاشخاص او الجمعية العامة في شركات الاموال، وذلك تعزيزًا لمبدأ الإدارة الجماعية وحماية لحقوق الشركاء.

وذلك حرفيا بقولها:

(فيما عدا شركات المحاصة يجوز منح الصلح الواقي من الإفلاس لكل شركة تجارية توافرت فيها الشروط المنصوص عليها في المادة (760): ومع ذلك لا يجوز منح الصلح للشركة وهي في دور التصفية، ولا يجوز لمدير الشركة طلب الصلح ألا بعد الحصول على أذن بذلك من أغلبية الشركات التضامن وشركات التوصية البسيطة ومن الجمعية العامة العادية في باقي الشركات الأخرى).

والملاحظ هنا:

-        ان إدخال الشركات ينسجم مع واقع الاقتصاد الحديث.

-        ان استبعاد شركة المحاصة مبرر لعدم وجود ذمة مالية مستقلة.

-        ان نص المادة لم يحدد موقف الشركات الأجنبية المسجلة في اليمن.

اما الفقه الإسلامي: فإنه لا يعرف الشركات بالمعنى الحديث، لكنه يقر عقود الشِركة (العنان، المضاربة)، وهي قريبة من شركات الأشخاص.

رابعا: الشركات الواقعية:

ان المقنن لم يقصر جواز التقديم على الشركات المستوفية للشكل القانوني فقط، بل توسع النص في المادة (762) ليشمل حتى "الشركة الواقعية"، أي الكيان الذي يمارس التجارة دون استيفاء الشكل القانوني، مما يعكس رغبة المقنن في حماية الواقع الاقتصادي بعيدا عن الشكليات، وذلك حرفيا بقولها:

(يجوز منح الصلح الواقي من الإفلاس للشركة الواقعية).

والملاحظ هنا:

ان الغاية من هذا النص هي حماية للواقع التجاري ومصلحة الدائنين، الا ان ذلك قد يفتح الباب أمام التحايل بإنشاء شركات صورية.

اما الفقه الإسلامي:

فالأصل في اعتبار العقود صحيحة بالتراضي ولو غابت الشكلية، مما يتفق مع هذا الاتجاه.

الفرع الثاني: الشروط المتعلقة بالمركز المالي للمدين طالب الصلح والنية:

الشرط الاول: الاضطراب المالي دون التوقف التام:

اشترطت المادة (759) سالف الذكر أن يكون التاجر المدين قد اضطرب مركزه المالي اضطرابا خطيرا من شأنه ان يؤدي إلى توقفه عن الدفع، دون ان يكون قد أعلن افلاسه بعد.

وذلك لان الصلح الواقي هو نظام وقائي يطبق قبل الافلاس وليس بعد وقوعه.

ويُقصد باضطراب المركز المالي: وجود صعوبات خطيرة في الوفاء بالالتزامات نتيجة تراجع الإيرادات أو الخسائر الاقتصادية دون الوصول إلى حالة الإفلاس الكامل.

أما في حالة التوقف الفعلي عن الدفع، فيجب شهر الإفلاس طبقا لأحكامه الواردة في القانون.

والملاحظ هنا: ان النص لم يحدد معيارا كميا للاضطراب (كنسبة الديون للأصول)، مما قد يسبب تضاربا في التطبيق.

اما الفقه الإسلامي: اكتفى بوصف "الإعسار".

وهنا يقتضي من المقنن تحديد معايير موضوعية واضحة، مثل نسبة العجز أو عدد الدعاوى التنفيذية.

الشرط الثاني: حسن النية ونزاهة المدين:

اشترطت المادة (759) ان يكون التاجر المدين حسن النية، لم يرتكب غشا أو تدليسا او خطأ جسيما أو تصرفات ضارة بالدائنين، وأن يكون توقفه المحتمل عن الدفع ناتجا عن أسباب اقتصادية لا إرادية، فإن لم يتوفر هذا الشرط، امتنع منح الصلح.

كنا نصت المادة (771) على رفض الطلب إذا سبق الحكم على المدين في جرائم مالية وفقا لما سيأتي بيانه، ويقصد بالغش هنا:

-        إخفاء أصول مالية عمدًا.

-        تقديم بيانات مالية غير صحيحة.

-        تهريب أموال قبل تقديم طلب الصلح.

والغاية من هذا الشرط، هي قصر الحماية على التاجر حسن النية.

والملاحظ هنا: ان القانون لم يضع معيارًا محددًا للخطأ الجسيم، مما يفتح الباب لاجتهادات متباينة.

اما الفقه الإسلامي: فإنه يميز بوضوح بين "المعسر الحقيقي" و"المماطل".

الشرط الثالث: عدم وجود صلح سابق نافذ:

بينا سلفا ان المقنن اليمني توسع في منح الصلاحية في تقديم طلب الصلح للشركة الواقعية.

في المقابل: وضع قيدا في المادة (763) يمنع المدين من طلب صلح جديد أثناء تنفيذ صلح سابق، والغاية من ذلك هو منع استغلال النظام في المماطلة أو التلاعب بالدائنين واستغلال النصوص في تكرار الحماية على حساب الدائنين، وذلك حرفيا بقولها:

(لا يجوز للمدين أثناء تنفيذ الصلح أن يطلب منحه صلحا آخر).

وبالتالي: لا يقبل طلب الصلح من تاجر صدر بحقه حكم سابق بشهر الإفلاس إلا إذا رُدّ إليه اعتباره، ويهدف القانون بهذا الشرط منع التلاعب بالدائنين.

والملاحظ هنا:

ان المنع مطلق، مما قد يضر بالمدين إذا فشل الصلح لأسباب قاهرة (كالحرب أو الكوارث)، والتوصية هنا النص على تمكين المحكمة من السماح بصلح جديد إذا وجدت مبررات استثنائية.

اما الفقه الإسلامي: لا يمنع إعادة الصلح إذا فشل سابقه.

المطلب الثاني: الشروط الشكلية والاجرائية لرفع طلب الصلح:

بعد استيفاء الشروط الموضوعية السابقة، يتم التحقق من الشروط الشكلية، وهي مرحلة تقديم طلب الصلح وشروطه الشكلية، وتمر إجراءات الصلح الواقي بعدة مراحل محددة بدقة في القانون التجاري اليمني، ويمكن بيان مرحلة تقديم الصلح وشروطه الشكلية فيما يلي:

الشرط الأول: تقديم طلب الصلح بعريضة:

اشترطت المادة (764) ان يقدم طلب الصلح بعريضة إلى رئيس المحكمة التجارية الابتدائية، يوضح فيها المدين أسباب اضطراب أعماله ومقترحاته لتسوية الديون، وذلك حرفيا بقولها:

(يقدم طلب الصلح بعريضة إلى رئيس المحكمة التجارية الابتدائية يبين فيه الطالب أسباب اضطراب أعماله ومقترحات الصلح).

وهذا الشرط وان كان يعد وسيلة قانونية لتحريك الدعوى، الا ان النص لم يحدد صيغة دقيقة للعريضة، مما قد يؤدي إلى دفوع شكلية.

الشرط الثاني: الوثائق والمرفقات الإلزامية:

اوجبت المادة (765) على أن ترفق العريضة بمجموعة من الوثائق الجوهرية، وذلك حرفيا بقولها: (ترفق عريضة الصلح بما يأتي:

-         الوثائق المؤيدة للبيانات المذكورة فيها.

-         شهادة من إدارة السجل التجاري تثبت قيام الطالب بما تفرضه عليه الأحكام الخاصة بهذا السجل خلال السنة السابقة على طلب الصلح.

-         شهادة من الغرفة التجارية تفيد مزاولة التجارة بصفة مستمرة خلال السنة السابقة على طلب الصلح.

-         الدفاتر التجارية الرئيسة.

-         صورة من آخر ميزانية وحساب الأرباح والخسائر.

-         بيان أجمالي بالمصروفات الشخصية عن السنة السابقة على طلب الصلح.

-         بيان تفصيلي بأموال الطالب المنقولة والعقارية وقيمتها التقريبية عند طلب الصلح

-         بيان بأسماء الدائنين والمدينين وعناوينهم ومقدار حقوقهم وديونهم والتأمينات الضامنة لها.

-         إقرار من المدين بأنه لم يسبق الحكم عليه في إحدى الجرائم المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة(771): وبأنه لم يحصل من قبل على صلح واق يجري تنفيذه).

أما إذا كان الطالب شركة، فقد أضافت المادة (766) وجوب إرفاق عقد التأسيس والنظام الأساسي وموافقة الشركاء أو الجمعية العامة، وذلك حرفيا بقولها:

(إذا كان الطلب خاصا بشركة وجب أن يرفق به فوق الوثائق المذكورة في المادة السابقة صورة من عقد تأسيس الشركة وصورة من نظامها الأساسي مصدق عليها والوثائق المبينة بها بصفة مقدم الطلب وصورة من إقرار الشركاء أو الجمعية العامة بطلب الصلح وبيان أسماء الشركاء المتضامنين وعناوينهم وجنسياتهم).

وفي حال تعذر تقديم بعض الوثائق، أوجبت المادة (767) بيان أسباب ذلك في العريضة مع تحرير محضر رسمي من قلم الكتاب، مما يمنع التلاعب أو الإهمال، وذلك حرفيا بقولها:

(يجب أن تكون الوثائق المذكورة في المادتين السابقتين مؤرخة وموقعة من طالب الصلح وإذا تعذر تقديم بعضها أو استيفاء بياناتها وجب أن تتضمن العريضة أسباب ذلك وتحرر إدارة الكتاب محضرا بتسليم هذه الوثائق).

وبتحليل هذا الشرط يتضح ان الغاية منه تهدف إلى تمكين المحكمة من فحص جدية الطلب.

الا ان الملاحظ هنا: ان اشتراط عدد كبير من الوثائق قد يعجز عنه التاجر الصغير، وتفاديا لذلك فقد اكتفت بعض التشريعات بالقوائم الأساسية.

الشرط الثالث: إيداع الأمانة المالية:

اشترطت المادة (768) إيداع أمانة مالية بخزانة المحكمة لمواجهة المصروفات، وإلا عُد الطلب كأن لم يكن، وذلك حرفيا بقولها:

(يجب على طالب الصلح أن يودع خزانه المحكمة أمانة يقدرها رئيس المحكمة التجارية لمواجهه مصروفات الإجراءات وذلك في الميعاد الذي يحدده الرئيس والا اعتبر طلب الصلح كان لم يكن).

وهذا الشرط يكشف عن طبيعة إجرائية صارمة تمنع التلاعب وتؤكد جدية المدين لا سيما وان الاثر المترتب على عدم الايداع اعتبار طلب الصلح كأن لم يكن.

الا ان ذلك قد يشكل عبئا على المدين في ظروف التعثر، وتفاديا لذلك يحبذ ان تقدر المحكمة مبلغ الامانة بما يتناسب مع وضع المدين.

المطلب الثالث: دور المحكمة في نظر الطلب وضمان نزاهة الاجراءات:

بعد ان يستوفي المدين الشروط الموضوعية والشكلية المقررة لطلب الصلح الواقي من الإفلاس، لا يكون الصلح قد تحقق بعد، اذ يظل ذلك رهنا بمرحلة جديدة هي نظر المحكمة في الطلب، وهذه المرحلة لا تعد من قبيل الشروط الشكلية، وانما تمثل انتقالا من مجرد تقديم الطلب الى بدء الإجراءات القضائية التي تهدف الى التحقق من جدية المستندات وصحة الوقائع، وضمان ان المدين مؤهل فعلا للانتفاع بالصلح.

ومن ثم فإن التمييز بين الشروط الشكلية التي تقتصر على ما يقدمه المدين من مستندات واوراق لازمة لقبول الطلب، وبين مرحلة نظر المحكمة التي تنطوي على رقابة قضائية لاحقة، يعد امرا جوهريا لفهم المنهجية التي رسمها المشرع اليمني في تنظيم الصلح الواقي من الإفلاس، وبيان إجراءات المحكمة في هذه المرحلة فيما يلي:

الفرع الاول: فحص الطلب والتحقق من الجدية (اجراءات التحقيق الابتدائي وتعيين الخبراء):

بعد استكمال المحكمة اجراءات فحص الطلب للتأكد من جديته، تنظر المحكمة الطلب في غرفة المداولة ولها أن تأمر بالتدابير التحفظية لحماية أموال المدين، وفقا للمادة (769) الذي نصت على ذلك حرفيا بقولها:

(تنظر المحكمة طلب الصلح في غرفة المداولة بعد إيداعه الأمانة المنصوص عليها في المادة السابقة، ويجوز لها أن تأمر باتخاذ التدابير اللازمة للمحافظة على أموال المدين إلى حين الفصل في الطلب).

ويجوز لها ان تطلب من التاجر ايضاحات اضافية حول طبيعة أزمته المالية او تعين خبيرا ماليا مستقلا لفحص دفاتر التاجر وتقاريره او تقوم بتكليف النيابة العامة بالتحري عن حالته المالية، لتكوين قناعة موضوعية قبل الفصل في الطلب، وفقا لما نصت عليه المادة (770) حرفيا بقولها:

(يجوز للمحكمة أن تندب أحد أعضاء النيابة العامة أو من يقوم مقامها لأجراء تحريات عن حالة المدين المالية وأسباب اضطرابها وتقديم تقرير بذلك...).

وفي حال تبين للمحكمة عدم جدية الطلب، فإنها تصدر حكما برفضه وفقا للشطر الأخير من نص المادة سالف الذكر حرفيا:

(...وتفصل المحكمة في طلب الصلح على وجه الاستعجال بحكم نهائي).

والملاحظ هنا: ان النص لم يحدد أجلا قصيرا للبت، مما يفتح باب التأخير، مما يقتضي معالجة ذلك بالنص على تحديد مدة زمنية قصوى للفصل في طلب الصلح.

الفرع الثاني: أسباب رفض الطلب:

تقضي المحكمة برفض الطلب إذا توافرت إحدى الحالات المحددة في المادة (771) الذي نصت حرفيا بقولها:

(تقضي المحكمة برفض طلب الصلح في الأحوال الاتية:

-        إذا لم يقدم طلب الصلح الوثائق والبيانات المنصوص عليها في المادتين (766-767): أو قدمها ناقصة دون مسوغ مشروع أو كانت غير صحيحة.

-        إذا سبق الحكم على التاجر بالإدانة في إحدى جرائم الإفلاس بالتدليس أو التزوير أو السرقة أو النصب أو خيانة الأمانة أو اختلاسه لأموال العامة.

-        إذا اعتزل التجارة أو اغلق متجره أو لجأ إلى الفرار.

وللمحكمة من تلقاء نفسها أن تقضي بشهر الإفلاس التاجر إذا توافرت الشروط اللازمة لذلك).

اذ ان النص منح المحكمة شهر الافلاس مباشرة للتأكيد على سلطتها التقديرية في حماية الائتمان التجاري، من المدين سيء النية.

والملاحظ هنا: ان القائمة واسعة لكن بعضها عام (كالتوقف عن التجارة)، مما قد يؤدي إلى حرمان غير مبرر.

المبحث الثالث: مرحلة افتتاح الاجراءات والاعداد لاجتماع الدائنين:

تمثل هذه المرحلة الانتقال من طور النظر في الطلب الى طور التنفيذ الفعلي لإجراءات الصلح، اذ يعد صدور حكم الافتتاح بمثابة الشرارة التي تطلق سلسلة من الاجراءات الالزامية التي تهدف الى حفظ اموال المدين وضمان تهيئة الظروف المناسبة لعقد اجتماع الدائنين:

المطلب الاول: الحكم بافتتاح الإجراءات ومباشرة اجراءات الحفظ:

إذا اقتنعت المحكمة بجدية طلب التاجر واستيفائه للشروط، قبلت الطلب، وأصدرت حكما بافتتاح إجراءات الصلح، ويعد هذا الحكم الاهم في هذه المرحلة.

الفرع الاول: مضمون الحكم بافتتاح الاجراءات ومشتملاته:

يجب أن يتضمن الحكم بافتتاح الاجراءات ثلاثة امور جوهرية اوجبتها المادة (772) الذي قضت حرفيا:

(إذا رأت المحكمة قبول الطلب قضت بافتتاح إجراءات الصلح ويجب أن يتضمن الحكم المذكور:

1-   تعيين رئيس المحكمة الابتدائية التجارية قاضيا للصلح الواقي للأشراف على إجراءاته.

2-   تعيين رقيب أو أكثر لمباشرة الإجراءات ويعين من بين الأشخاص المرخص لهم في مزاولة مهنه مديري التفليسات، ولا يجوز أن يكون زوجا للمدين أو قريبا أو صهرا إلى الدرجة الرابعة أو شريكا أو مستخدما عنده أو محاسبا لديه أو وكيلا عنه خلال السنوات الثلاثة السابقة على طلب الصلح.

3-   تعيين تاريخ لاجتماع الدائنين لتحقيق الديون ومناقشة مقترحات الصلح ويجب أن يتم هذا الاجتماع خلال الثلاثين يوما التالية لصدور الحكم بافتتاح الإجراءات).

هذه الامور الجوهرية هي:

اولا: تعيين قاضي للصلح:

يقوم رئيس المحكمة الابتدائية التجارية بتعيين قاضي من المحكمة الابتدائية التجارية يتم تكليفه بالإشراف على كافة اجراءات الصلح حتى انتهائه، مما يضمن الرقابة القضائية المستمرة.

ثانيا: تعيين رقيب او أكثر:

يتم تعيينه من بين الاشخاص المؤهلين (كمديري التسويات)، ويمنع القانون تعيين اي شخص تربطه بالمدين علاقة قد تثير شبهة تضارب المصالح (كالأقارب حتى الدرجة الرابعة او الشركاء او المحاسبين).

ويكون الرقيب هو الذراع التنفيذي والاداري للقاضي.

ثالثا: تحديد تاريخ اجتماع الدائنين:

يجب ان يعقد هذا الاجتماع خلال ثلاثين يوما من تاريخ صدور الحكم، مما يضمن سرعة الاجراءات ومنع المماطلة

وبالتالي: فإن المقنن بهذا النص يضع أساسا إجرائيا يوازن بين حماية المدين ومنح الدائنين ضمانات حقيقية عبر إشراكهم المبكر، ويمثل بداية رسمية لإجراءات الصلح، الا ان النص لم يوضح آلية اعتراض الدائنين على القرار تفصيلا.

الفرع الثاني: اجراءات الحفظ الفوري على اموال المدين:

بمجرد صدور الحكم، تتخذ اجراءات سريعة للحفاظ على اموال المدين:

1-  إقفال الدفاتر التجارية والتوقيع عليها:

نصت المادة (773) بقولها حرفيا:

(يشرع قاضي الصلح الواقي خلال 24 ساعة من وقت صدور الحكم بافتتاح إجراءات الصلح في أقفال دفاتر المدين ويضع عليها توقيعه).

هذا النص: يلزم قاضي الصلح خلال 24 ساعة من صدور الحكم، بإقفال دفاتر المدين والتوقيع عليها،

ويعد هذا الإجراء ليس شكليا فحسب، بل يهدف إلى تجميد الوضع المالي عند نقطة زمنية محددة، ومنع العبث بالدفاتر وإغلاق باب التلاعب في الحسابات بعد صدور قرار القاضي بفتح الإجراءات.

2-   اجراء جرد للأموال:

تتولى إدارة الكتاب في المحكمة، إخطار الرقيب بالحكم فور صدوره، ليباشر الرقيب مهامه خلال 24 ساعة من إخطار تعيينه، وفي مقدمتها البدء في إجراء جرد مفصل لكل اموال المدين (منقولها وعقارها)، بحضور المدين نفسه، وكاتب من المحكمة، ضمانا للشفافية ومنع التلاعب بالأصول، وذلك وفقا لما قررته المادة (774) حرفيا بقولها:

(تخطر إدارة الكتاب الرقيب بالحكم الصادر بتعيينه في اليوم التإلى لصدوره ويباشر الرقيب خلال 24 ساعة من الأخطار بالتعيين، اجراء الجرد بحضور المدين وكاتب المحكمة).

والاثر القانوني لهذا الاجراء:

-        يضمن ان جميع البيانات المالية والديون معتمدة وموثقة.

-        يوفر قاعدة قانونية متينة لأي طعن محتمل في الصلح لاحقا.

المطلب الثاني: اجراءات العلانية ودور الرقيب:

لا يقف دور المحكمة عند اصدار حكم الافتتاح، بل يعقبه اتخاذ اجراءات علنية تهدف الى ضمان الشفافية ومساواة الدائنين في العلم ببدء الاجراءات، لضمان حقوق جميع الدائنين، حتى اولئك الذين قد لا يكونون على علم بالأمر.

الفرع الاول: النشر والاعلان ودعوة الدائنين:

نصت المادة (775) على ان:

(يقوم الرقيب خلال خمسة أيام من تاريخ الأخطار بالتعيين بقيد الحكم بافتتاح إجراءات الصلح في السجل التجاري ونشر ملخصه مصحوبا بدعوى الدائنين إلى الاجتماع في الجريدة الرسمية أو في صحيفة يومية حكومية، وعليه أن يرسل في الميعاد المذكور والدعوى إلى الاجتماع مرفقا بها مقترحات الصلح إلى الدائنين المعلومة عناوينهم وذلك بكتب مسجلة مصحوبة بعلم وصول).

ومن خلال هذا النص فإن مهام الرقيب تتسع لتشمل قيد الحكم في السجل التجاري ونشر ملخصه في الجريدة الرسمية أو صحيفة حكومية، مع دعوة الدائنين إلى الاجتماع، ويجب عليه القيام بذلك خلال خمسة ايام من تاريخ الاخطار بتعيينه وتفصيل ذلك فيما يلي:

1)  القيد في السجل التجاري:

قيد حكم افتتاح الاجراءات في السجل التجاري، ممل يجعله علنيا لكل من يبحث عن المركز القانوني للتاجر.

2)  النشر والإعلان في الجريدة الرسمية او صحيفة حكومية:

نشر ملخص للحكم يتضمن بيانات اساسية، مع دعوة الدائنين لحضور الاجتماع في التاريخ المحدد.

3)  ارسال دعوات شخصية لجميع الدائنين المعروف عناوينهم:

يلتزم الرقيب بإرسال الدعوة ومقترحات الصلح للدائنين المعلومة عناوينهم بكتب مسجلة مصحوبة بعلم وصول، في تأكيد على الطابع العلني والرسمي للإجراءات، ويعد اخطارا يمكن اثباته.

كما يتولى الرقيب التواصل والمتابعة والتعامل مع اي اعتراض او استفسار من الدائنين خلال فترة العلانية، ورفع اي ملاحظات للقاضي لضمان حماية حقوق جميع الاطراف.

الفرع الثاني: مقترحات المدين وتقرير الرقيب:

تتضمن هذه المرحلة وضع مقترحات المدين، وعرضها على الدائنين، ثم مناقشتها والتصويت عليها، وأخيرًا التصديق عليها من المحكمة، وتعد مقترحات المدين المدخل الحقيقي لإجراءات الصلح الواقي من الافلاس، اذ يبادر المدين بعرض مقترحاته لتسوية ديونه على دائنيه.

غير ان المقنن اليمني لم يترك هذه المقترحات دون رقابة، بل اشترط ان تعرض مشفوعة بتقرير الرقيب، وفقا للمادة (776)، حتى تكون هذه المقترحات واقعية وقابلة للتنفيذ.

اولا: مضمون مقترحات المدين:

يقوم المدين، بعد افتتاح اجراءات الصلح، بتقديم تصوراته حول كيفية سداد ديونه، وتتجسد عادة في صور متعددة، مثل:

1-  تخفيض الدين كليا او جزئيا.

2-  جدولة الدين عبر منح آجال جديدة للسداد.

3-  تقديم ضمانات شخصية او عينية اضافية.

4-  المزج بين أكثر من وسيلة بحسب طبيعة الدين وقدرة المدين المالية.

هذه المرونة تحقق التوازن بين مصلحة المدين في الاستمرار ومصلحة الدائنين في استيفاء حقوقهم، الا ان المقنن لم يحدد ضوابط واضحة لمستوى التخفيض او مدة الجدولة، مما يفتح المجال لمقترحات قد تضر بمصالح الدائنين.

اما الفقه الإسلامي: الأصل هو الإبراء أو الإنظار، لكن لا يوجد حد أقصى للمهلة، بل يرجع ذلك إلى المصلحة، مع تحريم الاستغلال.

ثانيا: تقرير الرقيب واتاحته لأصحاب المصلحة:

يتعين على الرقيب إيداع تقرير مفصل عن حالة المدين المالية وأسباب اضطرابها ورأيه في مقترحات الصلح وفقا لما قررته المادة (776) الذي اوجبت ان تكون مقترحات المدين مشفوعة بتقرير الرقيب ويتضمن هذا التقرير.

-        دراسة للوضع المالي للمدين.

-        تقييم موضوعي لجدوى المقترحات.

-        بيان مدى كفاية الضمانات المقدمة.

-        اقتراح التعديلات او الحلول البديلة.

وذلك بقولها حرفيا:

(يودع الرقيب إدارة المحكمة وقبل الميعاد المعين لاجتماع الدائنين بخمسة أيام على الأقل تقريرا عن حالة المدين المالية وأسباب اضطرابها ورأيه في مقترحات الصلح...).

ويمكن لكل ذي مصلحة الاطلاع على التقرير بإذن من قاضي الصلح، وفقا لما قررته ذات المادة في شطرها الاخير بقولها:

(ويجوز لكل ذي مصلحة أن يطلب من قاضي الصلح الواقي الآذن له في الاطلاع على تقرير الرقيب).

ويتضح من هذه النصوص أن المقنن حرص على أن يكون الرقيب هو الذراع الفني والإداري الذي يوفر للمحكمة والدائنين صورة دقيقة عن وضع المدين، الأمر الذي يعزز الثقة في سير الإجراءات.

ثالثا: العلاقة بين مقترحات المدين وتقرير الرقيب:

تعد مقترحات المدين تعبير عن الارادة الذاتية للمدين ويمثل الرقيب ضمانة لتقديم صورة مالية محايدة بعيدا عن رغبات المدين الذاتية، ويكون تقرير الرقيب التقييم الموضوعي المحايد لجدوى تلك الارادة.

وبذلك يشكل الرقيب حلقة وصل بين المدين والدائنين، حيث يحول دون استغلال المدين للنظام في التسويف او التحايل ويطمئن الدائنين الى جدية التسوية.

اما الفقه الاسلامي: لم يعرف مسؤولية "الرقيب" لكنه قرر قاعدة التحقق من دعوى الاعسار عن طريق البينة او شهادة العدول.

كما ان وظيفة الرقيب في النظام الوضعي تشبه وظيفة القاضي او ولي الامر في الفقه الاسلامي، من حيث فحص حال المدين قبل منحه انظارا او صلحا.

الفرع الثالث: الجزاءات المترتبة على المخالفات:

منح القانون في المادة (777)[11] المحكمة صلاحية اشهار إفلاس المدين مباشرة إذا أخفى جزءا من أمواله أو خالف أحكام المادة (785) بعد تقديم الطلب، تأكيدا على أن الصلح الواقي لا يجوز أن يكون وسيلة للتلاعب أو الإضرار بالدائنين، وتمثل هذه المادة ضمانة ردعية قوية ضد سوء النية او محاولات التلاعب بالدائنين.

المبحث الرابع: دور القاضي والرقيب في اجراءات الصلح الواقي من الافلاس:

·       دور قاضي الصلح في الاشراف والرقابة القضائية:

يلعب قاضي الصلح دورا محوريا في هذه المرحلة ضمن اجراءات الصلح الواقي من الافلاس، اذ يضمن الرقابة القانونية على جميع الاجراءات، ويكفل حماية حقوق الدائنين، ويحول دون اي تجاوزات او تحيزات، ويقوم القاضي بدور رقابي شامل يشمل اصدار الاوامر، الاشراف على التنفيذ، ضمان المساواة بين الدائنين، واثبات تنفيذ العلانية والنشر، بوصفه الضامن القانوني لسير الاجراءات وفقا للنظام العام ومن ذلك:

A. اصدار الاوامر والتوجيهات:

يتولى قاضي الصلح اصدار الاوامر اللازمة للشروع في مرحلة العلنية بما يشمل القيد في السجل التجاري، اذ يسجل المدين في السجل التجاري كإجراء تمهيدي للصلح، والامر بالنشر في الصحف الرسمية، والامر بإبلاغ الدائنين لحضور اجتماعهم.

هذه الاوامر تهدف الى ارساء مبدأ الشفافية وضمان اطلاع جميع الدائنين على طلب الصلح ومنحهم الفرصة للمشاركة او الاعتراض.

B. الاشراف القضائي على الاجراءات:

يتولى القاضي مراقبة تنفيذ الحكم ببدء الاجراءات، ويضمن عدم خروج الاطراف عن الإطار القانوني المنظم للصلح الواقي، من ذلك:

-        مراقبة العلانية، ومراجعة قوائم الدائنين والتأكد من صحتها وشمولها لجميعهم.

-        التحقق من ان المدين قد قام بتنفيذ جميع الاجراءات المطلوبة.

C.   ضمان العدالة بين الاطراف:

يلتزم القاضي بمنع اي تحيز او امتياز غير مبرر، ويضمن مساواة الدائنين في العلم والمشاركة، ويحمي المدين حسن النية من التعسف او استغلال النظام بصورة ضارة.

·       دور الرقيب كذراع تنفيذي للإجراءات:

يعتبر الرقيب الذراع التنفيذي لإجراءات الصلح ويكمل الدور الرقابي للقاضي من خلال تنفيذ جميع الخطوات العملية، توثيقها، وضمان وصول الاشعارات للدائنين ويضطلع الرقيب بمهام تفصيلية تشمل اقفال الدفاتر والجرد، التوثيق، الوساطة بين المدين والدائنين، وضمان الشفافية من ذلك، يقوم الرقيب بالتوثيق والرفع لقاضي الصلح بملاحظات مباشرة بما تم وعن اي تأخير او قصور في الاجراءات لاتخاذ ما يلزم ضمانا للشفافية، اذ يعزز هذا الاجراء الرقابة القضائية ويضمن العدالة بين جميع الدائنين.

·       التكامل بين القاضي والرقيب كضمانة للعدالة:

يعد كل من القاضي والرقيب عنصرين اساسيين في ضمان سير اجراءات العلانية في الصلح الواقي من الافلاس، بشكل قانوني وشفاف، من ذلك الاتي:

اولا: الرقابة القضائية مقابل التنفيذ الاداري:

يراقب القاضي الاجراءات ويصدر الاوامر، بينما يتولى الرقيب تنفيذها عمليا وتوثيقها.

ثانيا: تحقيق التوازن بين المدين والدائنين:

هذا التكامل يمنع انفراد اي طرف بالإجراءات، فيتحقق التوزان بين انقاذ المدين حسن النية وصيانة حقوق الدائنين

ثالثا: تعزيز الشفافية والثقة التجارية:

من خلال الرقابة المزدوجة، تبنى الثقة في النظام التجاري ويضمن استقرار المعاملات.

وبالتالي: فكل منهما يكمل دور الاخر، حيث يشرف القاضي على تنفيذ الاجراءات ويوثقها، مما يساهم في تحقيق العدالة وحماية حقوق الدائنين والمدين على حد سواء.

المبحث الخامس: مراحل ابرام الصلح الواقي من الافلاس وإجراءاته الجوهرية:

تبدأ مرحلة إجراءات الصلح، والذي تمثل جوهر النظام، إذ تتضمن وضع مقترحات المدين، وعرضها على الدائنين، ثم مناقشتها والتصويت عليها، وأخيرًا التصديق عليها من المحكمة.

وتنقسم هذه الإجراءات إلى ثلاث مراحل رئيسية:

مرحلة الاقتراح مرحلة القبولمرحلة التصديق، وبيان ذلك على النحو التالي:

المطلب الاول: مرحلة اقتراح الصلح:

تعد مرحلة الاقتراح المدخل الحقيقي لإجراءات الصلح الواقي من الافلاس، اذ يبادر المدين بعرض مقترحاته لتسوية ديونه على دائنيه.

غير ان المقنن اليمني لم يترك هذه المقترحات دون رقابة، بل اشترط ان تعرض مشفوعة بتقرير الرقيب، وفقا للمادة (776)، حتى تكون هذه المقترحات واقعية وقابلة للتنفيذ.

اولا: مضمون مقترحات المدين:

يقوم المدين، بعد افتتاح اجراءات الصلح، بتقديم تصوراته حول كيفية سداد ديونه، وتتجسد عادة في صور متعددة، مثل:

5-  تخفيض الدين كليا او جزئيا.

6-  جدولة الدين عبر منح آجال جديدة للسداد.

7-  تقديم ضمانات شخصية او عينية اضافية.

8-  المزج بين أكثر من وسيلة بحسب طبيعة الدين وقدرة المدين المالية.

هذه المرونة تحقق التوازن بين مصلحة المدين في الاستمرار ومصلحة الدائنين في استيفاء حقوقهم، الا ان المقنن لم يحدد ضوابط واضحة لمستوى التخفيض او مدة الجدولة، مما يفتح المجال لمقترحات قد تضر بمصالح الدائنين.

اما الفقه الإسلامي: الأصل هو الإبراء أو الإنظار، لكن لا يوجد حد أقصى للمهلة، بل يرجع ذلك إلى المصلحة، مع تحريم الاستغلال.

ثانيا: تقرير الرقيب واتاحته لأصحاب المصلحة:

يتعين على الرقيب إيداع تقرير مفصل عن حالة المدين المالية وأسباب اضطرابها ورأيه في مقترحات الصلح وفقا لما قررته المادة (776) الذي اوجبت ان تكون مقترحات المدين مشفوعة بتقرير الرقيب ويتضمن هذا التقرير.

-        دراسة للوضع المالي للمدين.

-        تقييم موضوعي لجدوى المقترحات.

-        بيان مدى كفاية الضمانات المقدمة.

-        اقتراح التعديلات او الحلول البديلة.

وذلك بقولها حرفيا:

(يودع الرقيب إدارة المحكمة وقبل الميعاد المعين لاجتماع الدائنين بخمسة أيام على الأقل تقريرا عن حالة المدين المالية وأسباب اضطرابها ورأيه في مقترحات الصلح...).

ويمكن لكل ذي مصلحة الاطلاع على التقرير بإذن من قاضي الصلح، وفقا لما قررته ذات المادة في شطرها الاخير بقولها:

(ويجوز لكل ذي مصلحة أن يطلب من قاضي الصلح الواقي الآذن له في الاطلاع على تقرير الرقيب).

ويتضح من هذه النصوص أن المقنن حرص على أن يكون الرقيب هو الذراع الفني والإداري الذي يوفر للمحكمة والدائنين صورة دقيقة عن وضع المدين، الأمر الذي يعزز الثقة في سير الإجراءات.

كما منح القانون في المادة (777)[12] المحكمة صلاحية اشهار إفلاس المدين مباشرة إذا أخفى جزءا من أمواله أو خالف أحكام المادة (785) بعد تقديم الطلب، تأكيدا على أن الصلح الواقي لا يجوز أن يكون وسيلة للتلاعب أو الإضرار بالدائنين.

ثالثا: العلاقة بين مقترحات المدين وتقرير الرقيب:

تعد مقترحات المدين تعبير عن الارادة الذاتية للمدين ويمثل الرقيب ضمانة لتقديم صورة مالية محايدة بعيدا عن رغبات المدين الذاتية، ويكون تقرير الرقيب التقييم الموضوعي المحايد لجدوى تلك الارادة.

وبذلك يشكل الرقيب حلقة وصل بين المدين والدائنين، حيث يحول دون استغلال المدين للنظام في التسويف او التحايل ويطمئن الدائنين الى جدية التسوية.

اما الفقه الاسلامي: لم يعرف مسؤولية "الرقيب" لكنه قرر قاعدة التحقق من دعوى الاعسار عن طريق البينة او شهادة العدول.

كما ان وظيفة الرقيب في النظام الوضعي تشبه وظيفة القاضي او ولي الامر في الفقه الاسلامي، من حيث فحص حال المدين قبل منحه انظارا او صلحا.

المطلب الثاني: مرحلة قبول الصلح وانعقاده:

تهدف هذه المرحلة الى تحويل مقترحات المدين الى اتفاق ملزم عبر موافقة الدائنين، وتشمل الاجراءات التالية:

اولا: اجتماع الدائنين وتحقيق الديون:

حدد المقنن انعقاد اجتماع الدائنين برئاسة قاضي الصلح الواقي في الموعد المعين، وأوجب حضور المدين شخصيا إلا لعذر مقبول، ويعد حضور المدين جوهريا لأنه هو المعني بالصلح، فلا يمكن أن يُعقد الاتفاق في غيابه، وهذا قررته المادة (778) حرفيا:

(يجتمع الدائنون برئاسة قاضي الصلح الواقي في اليوم المعني لذلك ولكل دائن أن ينيب عنه وكيلا لحضور الاجتماع ويجوز أن تكون الوكالة بكتابة على الدعوة إلى الاجتماع أو ببرقية، ويجب على المدين أن يحضر الاجتماع بنفسه ولا يجوز له أن ينيب غيره ألا لأسباب جدية يقبلها قاضي الصلح الواقي).

ويتضمن الاجتماع إجراءات متعددة قررتها المادة (789)[13] تتمثل بـ:

-        تلاوة تقرير الرقيب ومقترحات المدين النهائية.

-        قيام كل دائن ببيان مقدار دينه وصفته وتقديم مستنداته.

-        حق المدين والدائنين في المنازعة بالديون.

-        إصدار القاضي تحديدا مؤقتا للديون، مع إبقاء الحق في الطعن أمام المحكمة المختصة.

-        بعد الانتهاء من تحقيق الديون، تبدأ المناقشة في مقترحات الصلح ثم التصويت عليها.

وإذا لم تتم هذه الإجراءات في يوم واحد اعتُبرت الجلسة مستمرة حتى تمامها.

ثانيا: حقوق التصويت وحدودها:

منح القانون كل دائن عادي حق التصويت بكامل دينه، حتى وإن قبض جزءا لاحقا من دينه من كفيل أو ضامن، وذلك بنص المادة(780) حرفيا:

(لكل دائن عادي حق التصويت على الصلح بكامل دينه المحدد ولو قبض بعد ذلك جزء من دينه من أحد الملتزمين مع المدين أو كفلائه).

لكنه بنص المادة (781) [14]استثنى الدائنين أصحاب التأمينات العينية، إذ لا يحق لهم التصويت إلا إذا نزلوا عن تأميناتهم كلها أو جزئها.

ويُعتبر النزول كليا إذا اشترك الدائن في التصويت دون تحديد، على أن يصبح النزول نهائيا بعد التصديق القضائي.

كما حظر على زوج المدين وأقاربه حتى الدرجة الرابعة الاشتراك في التصويت، منعا لتأثير الروابط العائلية على حيادية القرار.

وكذلك منع انتقال الدين للغير بعد افتتاح الإجراءات كوسيلة للتحايل على هذا القيد، حيث نصت المادة(782) حرفيا:

(لا يجوز لزوج المفلس أو لأقاربه أو أصحابه إلى الدرجة الرابعة الاشتراك في مداولات الصلح أو التصويت على شروطه، وإذا نزل أحد الدائنين المتقدم ذكرهم عن دينه إلى الغير بعد صدور الحكم بافتتاح إجراءات الصلح لم يجز للمتنازل اليه الاشتراك في مداولات الصلح أو التصويت عليه).

ثالثا: النصاب المطلوب لانعقاد الصلح:

اشترطت المادة (783)[15] لانعقاد الصلح موافقة أغلبية الدائنين الحاضرين أو الممثلين، بشرط أن يكونوا حائزين لثلث الديون المحددة، فإذا لم يتحقق النصاب، يؤجل الاجتماع لعشرة أيام فقط دون تجديد، وفي الاجتماع الثاني تبقى قرارات وموافقات الاجتماع الأول قائمة ونافذة إلا إذا عُدلت.

وهذا التنظيم يوازن بين سرعة الإجراءات وضمان مشاركة أغلبية حقيقية من الدائنين، الا ان استبعاد الدائنين المضمونين من التصويت قد يؤدي إلى خلل في التوازن، إذ قد يمثلون نسبة معتبرة من الدين، كما ان النص لم يعالج حالة الدائن المتعنت الذي يرفض لمجرد الضغط، مما قد يعرقل الصلح.

اما الفقه الإسلامي:

يساوي بين الدائنين إلا بقدر الضمان وقائم على الرضا الفردي، فلا إلزام للأقلية برأي الأغلبية.

التوصية: وضع آلية للتصويت الإلكتروني أو بالمراسلة لتوسيع المشاركة ومنع تعطيل الأغلبية.

رابعا: آثار الحكم بافتتاح إجراءات الصلح:

1)  إدارة أموال المدين تحت إشراف الرقيب:

نصت المادة (784) على انه:

(يبقي المدين بعد صدور الحكم بافتتاح إجراءات الصلح قائما بإدارة أمواله بأشراف الرقيب وله أن يقوم بجميع التصرفات المادية التي يقتضيها نشاطها التجاري، ومع ذلك لا يجوز الاحتجاج على الدائنين بالتبرعات التي يجريها المدين بعد صدور الحكم المذكور، كما لا يجوز للمدين بعد صدور هذا الحكم أن يعد صلحا أو رهنا أو تصرفا ناقلا للملكية لا تستلزمه أعماله التجارية العادية إلا بعد الحصول على إذن من قاض الصلح الواقي وكل تصرف يتم على خلاف ذلك لا يحتج به على الدائنين).

وبالتالي: يستمر المدين بعد افتتاح الإجراءات قائما بإدارة أمواله تحت إشراف الرقيب، مع منعه من بعض التصرفات:

-        التبرعات بعد الحكم لا يحتج بها على الدائنين.

-        إبرام صلح أو رهن أو تصرف ناقل للملكية خارج نطاق أعماله التجارية العادية إلا بإذن قضائي.

2)  آثار الحكم على الديون والفوائد:

نصت المادة (785) على انه:

(لا يترتب على صدور الحكم بافتتاح إجراءات الصلح الواقي حلولا آجال الديون التي على المدين والا وقف سريان فوائدها).

وبالتالي: فإن الاثر المترتب أن الحكم لا يترتب عليه حلول آجال الديون، بل يوقف سريان فوائدها فقط، في حماية مزدوجة للمدين والدائنين.

3)  وقف الدعاوى والإجراءات:

رتبت المادة (786) أثرا جوهريا، يتمثل في وقف الدعاوى وإجراءات التنفيذ الموجهة ضد المدين بمجرد صدور الحكم، وذلك حرفيا:

(توقف الدعاوى وجميع إجراءات التنفيذ الموجهة إلى المدين بمجرد صدور الحكم بافتتاح إجراءات الصلح ولا يفيد من هذا الحكم المدينون المتضامنون مع المدين ولا كفلاؤه في الدين، أما الدعاوى المرفوعة من المدين وإجراءات التنفيذ فتبقي سارية، ويجب إدخال الرقيب فيها).

لكن هذا الأثر لا يمتد إلى المدينين المتضامنين أو الكفلاء، التزاما بمبدأ شخصية الإجراءات.

في المقابل، تظل الدعاوى المرفوعة من المدين وإجراءات التنفيذ التي باشرها سارية، مع إلزامه بإدخال الرقيب فيها ضمانا للشفافية.

ولا يجوز بعد صدور الحكم التمسك بقيد الرهن أو حقوق الامتياز على أموال المدين تجاه الدائنين، وهو ما يؤكد الطابع الجماعي لإجراءات الصلح ويحول دون استئثار بعض الدائنين بحقوق تفضيلية على حساب غيرهم.

رابعا: ابرام الصلح والتوقيع على محضره:

باستقراء نصوص المواد (790،789،788،787) يتضح ان المقنن بعد ان نظم المقترحات الاولية، ينتقل الى اجراء أكثر جدية يتمثل في ترجمة تلك المقترحات في شكل بنود ملزمة، حتى ترتب اثارها القانونية ويصبح الصلح جاهزا للتصديق عليه من قبل المحكمة،

ويمكن بيان هذا الاجراء من جانبين:

الجانب الاول: الاجراءات والشروط الشكلية لإضفاء الصفة الرسمية والالزامية للاتفاق:

بعد استكمال مداولات الدائنين والتصويت، ينتقل الإجراء إلى طور أكثر جدية وهو توقيع الصلح، وتعد هذه الخطوة الحدث الحاسم في مرحلة القبول، حيث تتحول نتيجة التصويت الى اتفاق رسمي وينظم هذا الاجراء بدقة المادة (787) الذي نصت على أن محضر الصلح يجب أن يُوقع في الجلسة نفسها التي تم فيها التصويت، وإلا كان باطلا، وذلك حرفيا:

(يوقع محضر الصلح في الجلسة التي تم فيها التصويت على الصلح وآلا كان باطلا.)

ومن خلال هذا النص يمكن بيان أبرز الشروط والنقاط الجوهرية التي نصت عليها المادة فيما يلي:

1)  شرط المجلس الواحد:

اوجبت المادة على ان يتم توقيع محضر الصلح في الجلسة ذاتها التي تم فيها التصويت، ويعد هذا الشرط جوهريا؛ فالتأخير في التوقيع يؤدي الى بطلان المحضر والاجراء.

والغاية القانونية من حرص المقنن على النص على شرط وحدة الجلسة تهدف الى:

-        منع المماطلة أو التلاعب بنتائج التصويت.

-        ضمان وحدة الارادة وثباتها في لحظة واحدة

-        تحقيق الاستقرار واليقين في الاجراءات.

2)  أطراف التوقيع:

يوقع على محضر الصلح كل من:

1-  قاضي الصلح: كشاهد ورقيب على صحة الاجراءات

2-  الرقيب: كممثل عن الجهة التنفيذية والإشرافية.

3-  المدين: بالموافقة على الالتزام بشروط الصلح كما وضعت.

4-  الدائنون الموافقون (او من ينوب عنهم): اقرارا بقبولهم للشروط.

3)  الطبيعة القانونية للتوقيع:

يمثل التوقيع القبول النهائي والالزامي من قبل الاطراف الموقعة (المدين والدائنين الموافقين) بالشروط التي تم التصويت عليها، ويظل الاتفاق معلقا على شرط حصوله على التصديق النهائي من المحكمة.

اي انه يخلق التزاما بين الاطراف الموقعة فورا، لكن آثاره الجماعية والشاملة تنتظر حكم المحكمة

الجانب الثاني: طبيعة الالتزامات الممكنة وضمانات تنفيذ شروط الصلح:

اجازت المادة (788) أن يتضمن الصلح منح المدين آجالا جديدة للوفاء، أو الإبراء من جزء من الدين، وذلك بقولها حرفيا:

(يجوز أن يتضمن الصلح منح المدين آجالا لوفاء الديون كما يجوز أن يتضمن إبراء المدين من جزء من الدين ويبقي المدين ملتزما بالجزء الذي شمله الإبراء بوصفة دينها طبيعيا.)

والإبراء هنا لا يسقط الدين من حيث الأصل، بل يُبقيه دينا طبيعيا لا يمكن المطالبة به قضاءً لكنه يبقى ملزما في ذمة المدين أخلاقيا،

كما أجازت المادة (789) أن يُبرم الصلح بشرط الوفاء إذا أيسر المدين خلال مدة معينة لا تتجاوز خمس سنوات من تاريخ التصديق، على أن يزيد صافي أصوله على ديونه بنسبة 25% على الأقل، وذلك حرفيا بقولها:

(يجوز أن يعقد الصلح بشرط الوفاء إذا أيسر المدين خلال مدة يعينها عقد الصلح على ألا تتجاوز خمس سنوات من تاريخ التصديق عليه، ولا يعتبر المدين قد أيسر ألا إذا زادت قيمت موجوداته على ديونه بما يعادل 25% على الأقل).

وبهذا الشرط، يربط المقنن بين تحسن الوضع المالي وبين إمكانية التزام المدين، مع مراعاة العدالة في إعادة التوازن.

كما ان من ضمانات تنفيذ شروط الصلح الذي نظمها القانون اليمني حماية للدائنين، فقد نصت المادة(790) من القانون التجاري على جواز طلب كفيل أو أكثر لضمان تنفيذ شروط الصلح وذلك بقولها حرفيا: (للدائنين أن يطلبوا كفيلاً أو أكثر لضمان تنفيذ شروط الصلح).

وهنا يظهر دور الضمان الشخصي كأداة تعزيزية لثقة الدائنين في التزام المدين بمقتضيات الصلح.

المطلب الثالث: مرحلة التصديق القضائي على الصلح:

نصت المادة (780) على أن المحكمة تصدق على الصلح إذا رأت أنه يحقق مصلحة الأطراف، ولها رفضه إذا تبين أنه يضر بالدائنين أو يخالف النظام العام.

ومن خلال هذا النص يتضح ان المحكمة هي الضامن الأخير لتحقيق التوازن.

الا ان النص منح المحكمة سلطة تقديرية واسعة دون وضع معايير محددة، مما قد يؤدي إلى تضارب في الاجتهاد القضائي، مما يقتضي النص صراحة على التحقق من قدرة المدين المالية على الالتزام، وأن يكون الصلح واقعيا وقابلا للتنفيذ، وبيان ذلك في النقاط الاتية:

اولا: إجراءات التصديق على الصلح:

a)   تحرير المحضر وتحديد جلسة التصديق:

نصت المادة(791) على ان:

(يحرر محضر بما تم في جلسة الصلح يوقعه القاضي والرقيب والمدين والدائنون الحاضرون. ويجب قبل التوقيع على المحضر أن يصدر قرار يدرج في المحضر بتعيين جلسة أمام المحكمة للنظر في التصديق على الصلح وان يكون تاريخ الجلسة في ميعاد لا يتجاوز عشرين يوما من تاريخ التوقيع على المحضر).

وبالتالي: فالنص قضى على ان يحرر محضر جلسة الصلح ويجب ان يتضمن:

-        ما دار من مناقشات

-        وما اتُخذ من قرارات

كما يتضمن القرار: تعيين جلسة أمام المحكمة للتصديق، في ميعاد لا يتجاوز عشرين يومًا من تاريخ المحضر، ويُوقع من القاضي والرقيب والمدين والدائنين الحاضرين.

b)  حق الاعتراض أمام المحكمة:

يُمنح الدائن الذي لم يوافق على الصلح حق الحضور أمام المحكمة لإبداء اعتراضه، وهذا الحق نصت عليه المادة(792) حرفيا:

(لكل دائن لم يوافق على الصلح حق الحضور في جلسة التصديق على الصلح واثبات ارتضائه عليه).

وهنا يوازن المقنن بين مبدأ الأغلبية الذي انعقد به الصلح وبين حق الأقلية في الاعتراض والدفاع عن مصالحها.

c)   تعيين المراقب لمتابعة التنفيذ:

بعد سماع أقوال المدين والدائنين الحاضرين تقضي المحكمة بالتصديق على الصلح أو برفض التصديق عليه، فإذا صدقت المحكمة، عينت من بين الدائنين مراقبا أو أكثر لملاحظة التنفيذ وإبلاغها بما يقع من مخالفات، وذلك نصت عليه المادة(793) حرفيا:

(إذا صدقت المحكمة على الصلح وجب أن تعين من بين الدائنين مراقبا أو أكثر لملاحظة تنفيذ شروط الصلح وابلاغ المحكمة بما يقع من مخالفات لهذه الشروط، ويتقاضى هذا المراقب آجرا نظير عمله).

كما نصت المادة على ان المراقب لا يتقاضى أجرا، إعلاء لمبدأ التعاون بين الدائنين أنفسهم في ضمان تنفيذ الصلح.

d)  أسباب رفض التصديق:

أما إذا رأت المحكمة أن الإجراءات لم تُتبع أو أن هناك أسبابًا تتصل بالمصلحة العامة أو بمصلحة الدائنين تبرر الرفض، فإنها تقضي برفض التصديق، وذلك قررته المادة(794) حرفيا:

(تقضي المحكمة برفض التصديق على الصلح إذا لم تتبع الإجراءات المنصوص عليها في المواد السابقة أو إذا ظهرت أسباب تتصل بالمصلحة العامة أو بمصلحة الدائنين تبرر رفض التصديق على الصلح. ولا يجوز للمحكمة أن تفصل في أي طلب خاص بشهر إفلاس المدين ألا بعد أن تقضي برفض الصلح).

وهنا يلاحظ أن المقنن لم يقيد المحكمة بأسباب شكلية فقط، بل منحها سلطة تقديرية واسعة لحماية النظام العام الاقتصادي، ولا يجوز لها أن تفصل في طلب شهر الإفلاس إلا بعد رفض الصلح، ضمانا للترتيب الإجرائي.

ثانيا: آثار التصديق على الصلح:

رتبت النصوص القانونية آثارا هامة على حكم التصديق على الصلح يمكن بيانها فيما يلي:

A)  حجية الصلح في مواجهة جميع الدائنين:

1-   الاشهار والرهن الضمني:

يقضي الحكم بشهر الصلح وفق المادة (795) الذي نصت بقولها حرفيا:

(يشهر الحكم الصادر بالتصديق على الصلح وفقا للأحكام المنصوص عليها في المادة(585): ويترتب على قيد الملخص في مكتب السجل العقاري إنشاء رهن على عقارات المدين لضمان حقوق الدائنين الذين يسري عليهم الصلح ما لم ينص في عقد الصلح على خلاف ذلك ويقوم المراقب بشطب الرهن بعد تنفيذ شروط الصلح).

ويترتب على قيد الملخص في السجل العقاري إنشاء رهن على عقارات المدين لصالح الدائنين المشمولين بالصلح، إلا إذا نص العقد على خلاف ذلك، كما يقوم المراقب بشطب الرهن بعد تنفيذ شروط الصلح.

وبالتالي: يعد هذا الحكم ابتكارا تشريعيا لحماية الدائنين وضمان التنفيذ.

2-   حجية الحكم الصادر بالتصديق على الصلح وعدم جواز الطعن فيه:

نصت المادة (796) من القانون التجاري على أن حكم التصديق غير قابل للطعن، تكريسا للاستقرار في المعاملات، وذلك حرفيا:

(لا يجوز الطعن في الأحكام الصادرة بالتصديق على الصلح، ويجوز للمدين أن يستأنف الحكم الصادر برفض التصديق على الصلح خلال خمس عشر يوما من تاريخ صدور الحكم أو تبليغه اليه بحسب الأحوال).

لكن نص المادة أجاز للمدين استئناف الحكم الرافض للتصديق خلال 15 يوما، توازنا بين مصلحته وضرورة استقرار المراكز القانونية.

3-   شمول الصلح لجميع الدائنين:

نصت المادة(797) من القانون التجاري حرفيا:

(التصديق على الصلح يجعله نافذا في حق جميع الدائنين العاديين ولو لم يوافقوا عليه أو لم يشتركوا في عمله).

وبموجب هذا النص، فإن الصلح يسري على جميع الدائنين العاديين ولو لم يوافقوا أو لم يشتركوا، التزاما بمبدأ الأغلبية والعدالة الجماعية.

4-   تنظيم آجال خاصة لبعض الديون:

أجازت المادة (799) من القانون التجاري للمحكمة منح المدين آجالا للوفاء بالديون غير المشمولة بالصلح بشرط ألا تتجاوز الأجل المحدد في عقد الصلح، مع استثناء ديون النفقة، وذلك حرفيا بقولها:

(يجوز للمحكمة التي صدقت على الصلح أن تمنح المدين بناء على طلبه وبعد سماع أقوال الدائنين آجالا للوفاء بالديون التي لا يسري عليها الصلح وتكون قد نشأت قبل صدور الحكم بافتتاح الإجراءات بشرط ألا تتجاوز الآجل التي تمنحها المحكمة الآجل المقرر في عقد الصلح، ولا يسري هذا الحكم على ديون النفقة).

5-    (الاستثناءات) الاستفادة أو الحرمان من أحكام الصلح:

لم يفد من الصلح المدينون المتضامنون أو الكفلاء، إلا إذا كان الصلح مع شركة، فيستفيد منه الشركاء المتضامنون، حيث نصت المادة(798) من القانون التجاري حرفيا:

(لا يفيد من الصلح المدينون المتضامنون مع المدين ولا كفلاؤه في الدين ومع ذلك إذا وقع الصلح مع شركة أفاد من شروط الشركاء المسئولين في جميع أموالهم من ديون الشركة).

ايضا من الاستثناءات ان الصلح لا يسري على ديون النفقة ولا على الديون التي نشأت بعد صدور الحكم بافتتاح إجراءات الصلح.

B)  احتفاظ المدين بالآجال الأبعد مدى:

نصت المادة (800) من القانون التجاري على أن التصديق لا يحرم المدين من الاستفادة من آجال أبعد إذا كانت مقررة مسبقا، وذلك حرفيا بقولها:

(لا يترتب على التصديق على الصلح حرمان المدين من الآجال التي تكون ابعد مدي من الآجل المقرر في عقد الصلح).

وبذلك يظهر أن آثار التصديق تهدف إلى إحداث توازن دقيق:

فهي تمنح المدين فرصة جديدة للنهوض، لكنها في الوقت نفسه تضع ضمانات صارمة لحماية حقوق الدائنين عبر آليات الرهن والرقابة وعدم شمول بعض الديون.

ومن خلال ما تقدم بيانه في هذا المبحث: يتضح أن إجراءات الصلح الواقي تمر بثلاث مراحل مترابطة: الاقتراح القبول التصديق، وقد أحسن المشرع اليمني في تحديد الإطار العام، لكنه ترك فراغات مهمة، مثل: معايير الاستمرارية، حدود سلطة المحكمة، واشتراطات المقترحات.

كما أن استبعاد الدائنين المضمونين من التصويت، وإلزام الأقلية بقرارات الأغلبية، يثيران جدلًا عند مقارنتهما بالفقه الإسلامي، ومن ثم، فإن إصلاح النصوص بما يضمن وضوح المعايير ومرونة الإجراءات سيعزز فاعلية النظام ويجعله أكثر انسجاما مع مقاصد الشريعة في حماية المعسر وتحقيق العدالة بين الدائنين.

المطلب الرابع: إقفال الإجراءات:

يشكل إقفال الإجراءات المرحلة النهائية التي تُعلن اكتمال تنفيذ الصلح وانتهاء آثاره، وبيان ذلك على النحو التالي:

اولا: دور المراقب في طلب الإقفال:

نصت المادة(803) من القانون التجاري حرفيا:

(يطلب مراقب الصلح خلال ثلاثين يوما من تاريخ الانتهاء من تنفيذ شروط الصلح من المحكمة التي صدقت على الحكم بأقفال الإجراءات ويشهر هذا الطلب بالطريق المنصوص عليها في المادة(776): ويصدر الحكم بأقفال الإجراءات خلال ثلاثين يوما من تاريخ النشر المتقدم الذكر وبقيد الحكم في السجل التجاري وفقا لإحكام هذا السجل).

ومن خلال هذا النص يتضح:

-         أن مراقب الصلح يطلب من المحكمة، خلال ثلاثين يومًا من انتهاء التنفيذ، إصدار حكم بإقفال الإجراءات.

-        ويُشهر هذا الطلب وفق ذات الكيفية المنصوص عليها في المادة (776) بشأن النشر والإعلان.

ثانيا: الحكم بالإقفال وآثاره:

يصدر الحكم بالإقفال خلال ثلاثين يوما من تاريخ النشر، ثم يُقيد في السجل التجاري، ويترتب على ذلك استعادة المدين لاعتباره التجاري كاملا، وانتهاء القيود الرقابية التي فرضها القانون خلال فترة تنفيذ الصلح.

المبحث الخامس: بطلان الصلح الواقي من الافلاس وفسخه:

المطلب الاول: بطلان الصلح الواقي من الافلاس:

رغم أن التصديق على الصلح يضفي عليه الحجية ويجعله ملزما للدائنين والمدين، إلا أن المقنن أوجد ضمانة جوهرية تتمثل في إمكانية إبطاله إذا شابته عيوب خطيرة، كالغش أو التدليس أو خالف القواعد الجوهرية لنظامه، وقد عالج المقنن ذلك في عدة مواد قانونية.

أولا: حالات بطلان الصلح:

نصت المادة(801) من القانون التجاري حرفيا:

(يبطل الصلح إذا صدر بعد التصديق عليه حكم بإدانة المدين في أحد الجرائم المنصوص عليها في المادة(822): وكذلك يبطل إذا ظهر بعد التصديق عليه تدليس ناشئ عن إخفاء موجودات المدين أو المبالغة في تقرير ديونه وفي هذه الحالة يجب طلب أبطال الصلح خلال ثلاثة سنوات من التاريخ الذي يظهر فيه التدليس، ويترتب على بطلان الصلح براءة ذمة الكفيل الذي ضمن تنفيذ شروط الصلح).

ومن خلال هذا النص يتضح ان المقنن نظم بطلان الصلح في حالتين أساسيتين:

الحالة الاولى: إذا صدر حكم جنائي بالإدانة بعد التصديق:

إذا أُدين المدين في إحدى الجرائم المنصوص عليها في المادة (822)[16] – كجرائم الإفلاس بالتدليس أو إخفاء الحسابات – فإن الصلح يبطل بحكم القانون.

والغاية هنا: هي حماية الدائنين من المدين سيء النية الذي خان الثقة العامة.

الحالة الثانية: التدليس والغش وإخفاء الحقائق:

إذا تبيّن بعد التصديق أن المدين أخفى جزءا من موجوداته أو بالغ في تقدير ديونه، فإن الصلح يبطل، على أن يُقدَّم طلب الإبطال خلال ثلاث سنوات من ظهور التدليس، التزاما بمبدأ استقرار المراكز القانونية.

ثانيا: آثار بطلان الصلح:

يترتب على البطلان براءة ذمة الكفيل الذي ضمن تنفيذ شروط الصلح، إذ أن التزامه قائم على افتراض صحة الصلح، ويعود الدائنون إلى ممارسة جميع حقوقهم الفردية،

كما يمكن طلب شهر إفلاس المدين وفقا للمواد من (778 إلى 792) من القانون التجاري، وتعتبر جميع الامتيازات التي رتبها الصلح لاغية كأن لم تكن.

المطلب الثاني: فسخ الصلح الواقي من الإفلاس:

يختلف الفسخ عن البطلان من حيث أن الأخير يعود إلى عيب في تكوين الصلح أو شخصية المدين، بينما الفسخ يتعلق بعدم تنفيذه بعد انعقاده صحيحا، وقد عالج المقنن ذلك في عدة مواد قانونية.

اولا: حالات فسخ الصلح:

نصت المادة (802) على انه يجوز لكل دائن أن يطلب فسخ الصلح الواقي إذا أخل المدين بتنفيذ أي من شروطه الجوهرية وذلك بقولها حرفيا:

(إذا لم يقم المدين بتنفيذ شروط الصلح جاز طلب فسخه، وكذلك يجوز طلب فسخ الصلح إذا توفي المدين وتبين انه لا ينتظر تنفيذ شروط الصلح. ولا يترتب على فسخ الصلح براءة ذمة الكفيل الذي يضمن تنفيذ شروطه ويجب تكليف الكفيل بحضور الجلسة التي ينظر فيها طلب الفسخ).

ومن خلال هذه المادة يتضح انها نصت على جواز طلب فسخ الصلح في حاليتين:

الحالة الاولى: إخلال المدين بشروط الصلح:

ومن أبرز أسباب الفسخ في هذه الحالة:

-        عدم التزام المدين بسداد الأقساط المحددة او كأن يتأخر في الوفاء.

-        امتناع المدين عن تقديم تقارير مالية دورية.

-        ارتكاب المدين أفعالًا من شأنها الإضرار بحقوق الدائنين.

الحالة الثانية: وفاة المدين مع استحالة تنفيذ الصلح:

وفي هذه الحالة إذا لم يُنتظر من الورثة التنفيذ، جاز الفسخ.

ثانيا: إجراءات الفسخ

-        يقدم الدائن أو مجموعة من الدائنين طلبا للمحكمة المختصة.

-        تقوم المحكمة باستدعاء المدين وسماع أقواله.

-        إذا ثبت الإخلال، تصدر المحكمة حكما بفسخ الصلح ويجوز للمدين الطعن فيه.

ثالثا: آثار الفسخ:

بعد فسخ الصلح، تعود الإجراءات الفردية للدائنين، ويجوز طلب شهر الإفلاس إذا كان المدين غير قادر على الوفاء بالتزاماته، وتسقط جميع الامتيازات والجدولات التي منحها الصلح.

كما يلاحظ هنا: أن المقنن حرص على حماية الدائنين عبر إلزام المحكمة بإدخال الكفيل – إذا وُجد – في جلسة نظر الفسخ، حتى لا يتذرع بعدم علمه أو يفلت من التزامه، كما نص على أن الفسخ لا يترتب عليه براءة ذمة الكفيل، بخلاف البطلان الذي يبرئه،

والتمييز هنا دقيق: فالكفيل يظل ملتزما طالما أن الصلح كان صحيحًا وقت إنشائه، حتى وإن فسخ لاحقًا لعدم التنفيذ.

خاتمة البحث:

يتضح من خلال استعراض وتحليل نصوص القانون التجاري اليمني المنظمة للصلح الواقي من الإفلاس أن المقنن سعى إلى تحقيق معادلة دقيقة بين حماية المدين حسن النية ومنح الدائنين ضمانات جدية تكفل لهم استيفاء حقوقهم، فجعل من الصلح الواقي مؤسسة وقائية تمنع الانهيار الاقتصادي وتتيح إعادة التوازن بين طرفي المعادلة التجارية، وقد ظهر لنا العديد من النتائج والتوصيات وبيان ذلك فيما يلي:

اولا: أبرز النتائج:

1-   المقنن اليمني تبنى نظاما متوازنا في الصلح الواقي من الإفلاس، يحقق حماية المدين دون الإضرار بحقوق الدائنين.

2-   الصلح الواقي يهدف إلى إنقاذ التاجر أو الشركة من الإفلاس مع الحفاظ على استمرارية النشاط.

3-   النصوص اشترطت حسن النية وعدم ارتكاب الغش أو التدليس كأساس جوهري.

4-   يتوافق النظام اليمني مع مبادئ الشريعة الإسلامية في منح المدين المعسر حسن النية فرصة لتسوية أوضاعه.

5-   المقنن أرسى نظاما رقابيا عبر القاضي والرقيب والمراقب، لضمان الشفافية في كل المراحل.

6-   آثار التصديق واسعة المدى، إذ تسري على جميع الدائنين العاديين، لكنها استثنت بعض الديون ذات الطبيعة الخاصة.

7-   التمييز بين البطلان والفسخ يوفر توازنا: الأول جزاء للغش، والثاني جزاء لعدم التنفيذ.

8-   التطبيق العملي للنظام في اليمن يواجه تحديات تتعلق ببطء الإجراءات وضعف وعي التجار بآليات الصلح.

ثانيا: أبرز التوصيات:

1-   تطوير النصوص بحيث تُعزز الحماية الإجرائية لصغار الدائنين الذين قد يضعف تأثيرهم في اجتماعات الأغلبية.

2-   تعديل بعض مواد القانون التجاري اليمني لتبسيط إجراءات الصلح الواقي وضمان سرعة البت في الطلبات.

3-   استحداث آلية وساطة تجارية قبل اللجوء إلى الصلح القضائي، لتشجيع الحلول الودية.

4-   إدماج التكنولوجيا الحديثة في إجراءات النشر والإعلان والتواصل مع الدائنين، تسهيلا للشفافية والسرعة.

5-   إعادة النظر في مسألة الرهن العقاري التلقائي - مادة (795) تجاري -  لما قد يترتب عليه من أعباء غير مبررة على المدين.

6-   تعزيز دور المحكمة في الرقابة على التاجر بعد الصلح للحد من إساءة استخدام النظام.

7-   تطوير الوعي القانوني للتجار من خلال نشر توعية متخصصة حول نظام الصلح الواقي وفوائده الاقتصادية.

وبهذا يكتمل البحث الذي تناول النصوص القانونية المنظمة للصلح الواقي من الإفلاس، محللًا بنيتها وأثرها التشريعي، ومبرزا أهميتها كوسيلة لحماية الائتمان التجاري وضمان التوازن في البيئة الاقتصادية.

ثالثا: مراجع البحث:

1-   القانون التجاري اليمني وتعديلاته.

2-   قانون المرافعات اليمني وتعديلاته.

3-   كتاب الوجيز في القانون التجاري اليمني – دكتور محمد علي السقاف.

4-   كتاب الافلاس في الفقه الاسلامي، للدكتور حسين حامد حسان، مطابع الهيئة العامة للكتاب، القاهرة 1978م.

5-   شرح القانون التجاري للدكتور عبد الرحمن شمسان.

6-   موسوعة الفقه الاسلامي على الشبكة العنكبوتية.

والله ولي التوفيق

 

شركة الربيعي وشركاؤه للخدمات القانونية

القسم التجاري

        أعدَّ البحث/                                                              اشراف المدير المهني/

المحامي/ ماجد امين اليوسفي                                          المحامي/ سليمان نبيل الحميري



[1] القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية (280).

[2]

[3] المادة (759)، القانون التجاري اليمني رقم (32) لسنة 1991م

[4] المادة (363)، قانون المرافعات اليمني رقم (40) لسنة 2002م، وتعديلاته.

[5] القران الكريم – سورة النساء – اية رقم 128.

[6] رواه أبو داود والترمذي-سنن أبي داود، كتاب الأقضية، حديث رقم (3594).

[7] ابن قدامة، المغني، ج4، ص421؛ النووي، المجموع، ج6، ص218.

[8] القران الكريم – سورة البقرة – اية رقم 280.

[9] رواه البخاري ومسلم ومتفق عليه.

[10] رواه مسلم – مرجع سابق.

[11] نصت المادة(777) من القانون التجاري بقولها: (إذا أخفى المدين بعد تقديم طلب الصلح جزءا من أمواله أو اجري تصرفا مخالفة للأحكام المنصوص عليها في المادة(785): جاز للمحكمة من تلقاء ذاتها أو بناء على طلب النيابة العامة أو من يقوم مقامها وطلب الرقيب أن تشهر إفلاسه).

[12] نصت المادة(777) من القانون التجاري بقولها: (إذا أخفى المدين بعد تقديم طلب الصلح جزءا من أمواله أو اجري تصرفا مخالفة للأحكام المنصوص عليها في المادة(785): جاز للمحكمة من تلقاء ذاتها أو بناء على طلب النيابة العامة أو من يقوم مقامها وطلب الرقيب أن تشهر إفلاسه).

[13] نصت المادة (779) من القانون التجاري على ان: يتلى في الاجتماع المشار اليه في المادة السابقة تقرير الرقيب ومقترحات المدين النهائية في شان الصلح ويحرر كل دائن مقدار دينه وصفته كتابة مؤيدة بالمستندات وللمدين ولكل دائن المنازعة في هذه الديون ويحدد قاضي الصلح الواقي بعد سماع أقوال ذوي الشأن والاطلاع على ما يقدم من مستندات كل دين وصفته تحديدا مؤقتا على أن يكون لذي الشأن الحق في رفع المنازعة إلى المحكمة المختصة ولا يترتب على الحكم فيها اثر في الأغلبية التي تم الصلح على مقتضاها وبعد الانتهاء من تحقيق الديون تبدأ المناقشة في مقترحات الصلح ثم التصويت عليه وإذا لم تتم هذه الإجراءات في يوم واحد اعتبرت الجلسة مستمرة إلى أن تتم.

[14] نصت المادة (781) من القانون التجاري على انه: (لا يجوز للدائنين أصحاب التأمينات العينية الاشتراك في التصويت في الصلح بديونهم المضمونة بالتأمينات المذكور ألا إذا نزلوا عن هذه التأمينات مقدمة ويجوز أن يكون النزول مقصورا على جزء من التامين بشرط ألا يقل عما يقابل نصف الدين ويذكر النزول في محضر الجلسة وإذا لم يصرح الدائن بالنزول عن تأمينه كله أو بعضه واشترك في التصويت على الصلح اعتبر نازلا عن التامين بأجمعه وفي جميع الأحوال لا يكون النزول عن التامين نهائيا ألا إذا تقرر وسقطت عليه المحكمة…. وإذا بطل عاد التأمين الذي شمله النزول).

[15] نصت المادة(783) من القانون التجاري على انه: (لا ينعقد الصلح ألا بموافقة أغلبية الدائنين الحاضرين أو الممثلين في الاجتماع بشرط أن تكون هذه الأغلبية حائزة لثلث الديون المحددة وفقا للمادة(780): بعد استنزال ديون لدائنين الذي لم يشتركوا في التصويت، وإذا لم يتم اجتماع الدائنين الحائزين على ذلك النصاب من المديونية اجل القاضي الاجتماع عشرة أيام لا مهلة بعدها ويجوز للدائنين الذين حضروا الاجتماع الأول أو كانوا ممثلين فيه ووقعوا محضر الجلسة ألا يحضروا الاجتماع الثاني وفي هذه الحالة تبقي القرارات التي اتخذوها والموافقات التي صدرت عنهم في الاجتماع الأول قائمة ونافذه في الاجتماع الثاني ألا إذا حضروا هذه الاجتماع وعدلوها أو عدل المدين مقترحاته بشأنه الصلح في الفترة بين الاجتماعين).

[16] نصت المادة(802) من القانون التجاري بقولها: (إذا لم يقم المدين بتنفيذ شروط الصلح جاز طلب فسخه، وكذلك يجوز طلب فسخ الصلح إذا توفي المدين وتبين انه لا ينتظر تنفيذ شروط الصلح. ولا يترتب على فسخ الصلح براءة ذمة الكفيل الذي يضمن تنفيذ شروطه ويجب تكليف الكفيل بحضور الجلسة التي ينظر فيها طلب الفسخ).