الجريمة المستحيلة وأثرها في المسؤولية الجناية

 

 


مقدمة :

تعد الجريمة المستحيلة أحد أعقد التحديات التي تواجه القضاء الجنائي، حيث تتجسد المشكلة في وجود نية إجرامية كاملة لدى الفاعل، لكن النتيجة المادية المقصودة لم تتحقق بسبب عائق خارج عن إرادته ومتعلق بالواقع المادي أو القانوني. فهم هذا المفهوم ضروري لتحديد ما إذا كانت المسؤولية الجنائية قائمة أم يجب نفيها، وهو ما يتطلب خطوات تحليلية دقيقة لتطبيق النصوص القانونية ذات الصلة. ([1])

المبحث الأول : ماهية الجريمة المستحيلة  ، واثرها في المسؤولية الجنائية

اولاً: تعريف الجريمة المستحيلة : الجريمة المستحيلة هي تلك الجريمة التي يستحيل فيها تحقق النتيجة الجرمية التي اتجهت اليها ارادة الفاعل على الرغم من بذله لكل نشاط يستطيع القيام به لتحقيق هذه النتيجة وبهذا هي تشابه الشروع التام في ناحيتين انه الجاني يستنفذ اي نشاط ممكن له وتخلف النتيجة الإجرامية . ([2])

اما الجريمة المستحيلة لدى شراح القانون فهي: الجريمة التي يستحيل فيها تحقق النتيجة الإجرامية ، إما لعدم صلاحية تنفيذ الفعل الذي باشره الفاعل أو لعدم كفايته وإما لتخلف المحل المادي للجريمة أو لعدم وجوده . ([3])

ثانياً: اثرها في المسؤولية الجنائية:

في الجريمة المستحيلة، يكون الركن المعنوي، وهو القصد الجنائي، متحققًا بالكامل. المتهم أراد ارتكاب الجريمة. المشكلة تكمن في الركن المادي. الحل لتحديد المسؤولية هو إثبات أن القصد الجنائي وحده لا يكفي للعقاب عندما يكون محل الجريمة غير قابل للتأثر بالفعل الإجرامي. العناصر الإضافية التي يجب تقديمها هي إثبات أن القصد بقي مجردًا ولم يترجم إلى فعل قادر على إحداث النتيجة.

يجب تقديم البراهين على أن الوسيلة التي اختارها الفاعل كانت خيالية أو غير كافية من الناحية الموضوعية. على سبيل المثال، إذا كان الهدف هو إتلاف وثيقة بصب الماء عليها وتبين أن الوثيقة مصنوعة من مادة مقاومة للماء، فإن القصد الإجرامي موجود، لكن الفعل مستحيل التحقيق. الحل المنطقي والبسيط هو نفي الصفة الجرمية عن الفعل بسبب الاستحالة المطلقة الناتجة عن خصائص محل الجريمة. ([4]).

 

 

المبحث الثاني: الفرق بين الجريمة المستحيلة والجريمة الخائبة:

تعد الجريمة المستحيلة صورة خاصة للجريمة الخانية أو الشروع الحالب، ففي كل منهما يستنفذ الجاني السلوك الإجرامي اللازم لتحقيق النتيجة الإجرامية، ومع ذلك لا تتحقق تلك النتيجة لسبب خارج عن إرادته.

 

إن الخلاف بينهما هو أن النتيجة الإجرامية الخائبة كان من الممكن تحقيقها لولا تدخل السبب الخارجي، بينما النتيجة الإجرامية في الجريمة المستحيلة كان من المستحيل تحقيقها منذ بداية اتخاذ السلوك الإجرامي .

 

ومن أجل الدقة في تشخيص الفرق بين الجريمة المستحيلة والجريمة الخائبة علينا تبيان عدم تحقيق النتيجة في الجريمة المستحيلة هي ليست عارضة، إنما تكون قائمة وقت مباشرة الجاني لنشاطه الإجرامي، وأن الوضع فيها لم يكن ليتغير لو قام به أي شخص آخر يوجد في مثل ظروف الجاني، فمثلاً كما أسلفنا إذا كان المعتدى عليه ميتاً قبل إطلاق الرصاص عليه، فهي كذلك أيا كانت الظروف التي أطلق فيها عليه الرصاص.

 

فالاستحالة في هذا المثال قائمة منذ لحظة مباشرة الجاني لنشاطه الإجرامي، ومن يستخدم سلاحاً غير صالح بطبيعته للاستعمال، كما أسلفنا أنفا، فعدم الصلاحية قائمة منذ لحظة البدء في التنفيذ.

أما في الجريمة الخائبة، فإن عدم تحقق النتيجة إنما تعرض لمرتكبها، وبعد البدء في التنفيذ، والعامل الأجنبي حال دون تحقيقها النتيجة بخصوص الجاني ذاته، فلو بذل الجاني

مزيداً من الدقة والحيطة لتحققت النتيجة، ولو نفذت الجريمة بمعرفة شخص آخر أكثر دراية لكانت نتيجتها قد تحققت بالفعل.

وبذلك يكمن الفارق بين الجريمة المستحيلة والجريمة الخائبة، في أن النتيجة الإجرامية الخانية كان من الممكن تحققها لولا تدخل السبب الأجنبي، بينما النتيجة الإجرامية في الجريمة المستحيلة كان من المستحيل تحقيقها منذ بداية اتخاذ السلوك الإجرامي، فالخيبة مختلة عند بده الجاني في الجريمة الخانية، ولكنها محققة عند بدء في الجريمة المستحيلة.

 

وتقاس خيبة الأمل غالبا النتيجة في كلا الجريمتين تقاس بعنصر الزمن، إن الجريمة المستحيلة تكون استحالة تحقيق النتيجة سابقة على البدء في التنفيذ، أو على الأقل معاصرة للحظة التنفيذ، كما لو ترك المجني عليه مكانه عند ضغط الجاني على زناد مسدسه وإطلاق الرصاص.

 

وفي الجريمة الخائبة نجد أن استحالة التنفيذ تطرأ بعد البدء في التنفيذ، كمن يطلق الرصاص على غريمه ولكن يخيب في إصابته لعدم الدقة في التصويب .

 

أما بالنسبة إلى الجريمة المستحيلة والجريمة الظنية، فهما يشتركان في أن الفعل ذاته إلى عدم وجود المحل التي ترد عليه الجريمة أو إلى عدم صلاحية الوسيلة، بشرط توافر المظهر الخارجي لعدم المشروعية أي مخالفة قانون العقوبات .

هذا بخلاف الجريمة الظنية فإنها لا توجد إلا في مخيلة الجاني واعتقاده القانوني الخاطئ ولا يوجد لها مظهر خارجي لعدم المشروعية، مثال ذلك من يهتك عرض فتاة يزيد عمرها عن ثمانية عشر عاماً برضائها معتقداً أن فعله يعاقب عليه القانون . ([5])

الخاتمة:

خلص البحث ان الجريمة المستحيلة هي التي يستحيل فيها تحقق النتيجة الإجرامية، إما لعدم صلاحية تنفيذ الفعل الذي باشره الفاعل أو لعدم كفايته وإما لتخلف المحل المادي للجريمة أو لعدم وجوده، وانه في الجريمة المستحيلة، يكون الركن المعنوي، وهو القصد الجنائي، متحققًا بالكامل .

 

 

قائمة المراجع :

اولاً : البحوث

1-    عبدالله محمد العصيمي – الجريمة المستحيلة بين الشريعة والقانون – بحث ماجستير – 1424هـ

ثانياً : مواقع الانترنت 

1-     دكتوراة في القانون الجنائي الدولي، المحامي بالجنايات والجنايات المستأنفة، مستشار ومدرب دولي معتمد في القانون الجنائي الدولي.

https://www.menafayq.com/action-for-rectifying-material-error-in-judgments        /

2-    موسوعة ودق https://wadaq.info / اخر زيارة الساعة4:33 

3-    مجلة جامعة اروى  https://www.researchgate.net/publication/371087561_aljrymt_almsthylt_fy_  alqwanyn_alqabyt almqar  اخر زيارة الساعة 10 مساءً

                                                                           اعداد / نورالعين علي شرهان

                                                                             إشراف/أ. سليمان الحميري



([1]) دكتوراة في القانون الجنائي الدولي، المحامي بالجنايات والجنايات المستأنفة، مستشار ومدرب دولي معتمد في القانون الجنائي الدولي.

https://www.menafayq.com/action-for-rectifying-material-error-in-judgments /

 

 

([2]) موسوعة ودق https://wadaq.info / اخر زيارة الساعة4:33 

([3]) عبدالله محمد العصيمي – الجريمة المستحيلة بين الشريعة والقانون – بحث ماجستير – 1424ه – الرياض – ص 70

([4]) دكتوراة في القانون الجنائي الدولي، المحامي بالجنايات والجنايات المستأنفة، مستشار ومدرب دولي معتمد في القانون الجنائي الدولي.

https://www.menafayq.com/action-for-rectifying-material-error-in-judgments /

 

 

([5])مجلة جامعة اروى  https://www.researchgate.net/publication/371087561_aljrymt_almsthylt_fy_alqwanyn_alqabyt

ليست هناك تعليقات: