دعاوى الحقوق العمالية واصابات العمل في القانون اليمني


دعاوى الحقوق العمالية واصابات العمل
تمهيد:
لما كان الحق سلطة يقررها القانون للشخص, ويعترف له بها في حدود الشرع, وان الغاية منه هو تحقيق مصلحة مشروعة, الا ان هذه المصلحة تزول بعد مرور فترة من الزمن يحددها القانون, فيمنع بعد مضيها سماع الدعوى لِعلةٍ راها المقنن, وهي تحقيق الاستقرار الاجتماعي في المجتمع, لان هذا الاستقرار ينعكس بدوره على الجهاز القضائي للدولة, فالقضاء لا يستطيع ان يؤدي وظيفته إذا ظل المجال لرفع الدعوى قائما بلا نهاية.
ومن ثم كان لابد من اصطناع وسيلة يضع بموجبها المقنن حدا للدعوى, ومنها الدعاوى العمالية واصابات العمل التي مضى عليها فترة من الزمن دون رفعها, ولعل هذه الوسيلة هي التقادم التي من اثارها ينقضي الالتزام, ولا يجوز للمحكمة ان تقضي به من تلقاء نفسها, إذا يجب على من يتمسك به ابداؤه في حالة تكون عليها الدعوى.
تعريف إصابة العمل:
الإصابة بأحد الامراض المهنية المبينة بالجدول الملحق بقانون العمل او الإصابة نتيجة حادث بسبب العمل او اثناء تأديته ويكون بحكم ذلك كل حادث وقع للمؤمن عليه خلال فترة ذهابه لمباشرة العمل أو إلى أي مكان حدده له صاحب العمل أو عودته منه أياً كانت وسيلة المواصلات غير الممنوعة بشرط أن يسلك الطريق الطبيعي دون توقف أو تخلف أو انحراف ما لم يكن ذلك بغير إرادته. مادة (26)قانون التأمينات الاجتماعية
يتضح من خلال النص ان تامين إصابات العمل, يغطي المخاطر التالية:
1-      حادث العمل.
2-      2-حادث الطريق.
3-      3-امراض المهنة.

تعريف المرض المهني:
الإصابة بمرض تعرض العامل لعوامل طبيعية أو كيميائية أو حيوية موجودة في بيئة العمل ونتيجة لطبيعة عمله فيها ويثبت ذلك بقرار من طبيب المؤسسة. مادة (26)قانون التأمينات الاجتماعية
مدد التقادم المذكورة في قانون التأمينات الاجتماعية:
1-     يسقط حق المؤمن عليه أو المستحقين عنه في تعويضات العجز المؤقت, وفي المنح والإعانات بمرور سنة واحدة من تاريخ الإصابة والوفاة والزواج, دون تقديم طلب صرفها.
2-     يسقط الحق في المعاش إذا لم تتم المطالبة به أو لم يتم صرفه لمدة خمس سنوات من تاريخ آخر صرف تقاضاه. المادة (96)

1-     لا تقبل دعوى المطالبة أو التعويض إلا إذا طولبت المؤسسة بها كتابة خلال خمس سنوات من التاريخ الذي تعتبر فيه المستحقات واجبه الأداء.
2-     يعتبر أي إجراء تقوم به أية جهة من الجهات الإدارية أو النقابية في مواجهة المؤسسة بالنسبة لحقوق المؤمن عليهم أو المستحقين عنهم قاطعاً للتقادم إذا تم في خلال خمس سنوات. مادة (97)
من خلال المادتين السابقتين, يتضح لنا ان هناك:
 اولا: حقوق تسقط بمرور سنة واحدة من تاريخ الإصابة أو الوفاة أو الزواج دون تقديم طلب صرفها وهي:
1- حق المؤمن عليه او المستحقين عنه في تعويضات العجز المؤقت.
2- حق المؤمن عليه او المستحقين عنه في المنح والاعانات.
ثانيا: حقوق أخرى تسقط بمرور خمس سنوات وهي:
1- الحق في المعاش إذا لم تتم المطالبة به أو لم يتم صرفه لمدة خمس سنوات من تاريخ آخر صرف تقاضاه.
2- دعوى المطالبة او التعويض إذا لم تقدم الى المؤسسة العامة للتأمينات كتابة خلال خمس سنوات من التاريخ الذي تعتبر فيه المستحقات واجبة الأداء.
مع اعتبار ان القيام بأي إجراء تقوم به أية جهة من الجهات الإدارية أو النقابية في مواجهة المؤسسة بالنسبة لحقوق المؤمن عليهم أو المستحقين عنهم قاطعاً للتقادم إذا تم في خلال خمس سنوات.

مدد التقادم المذكورة في القانون المدني:
في الأحوال التي ينص فيها القانون على عدم سماع الدعوى بمضي الزمن, يرجع في تحديد المدة والشروط والقرائن والملابسات الى النص الخاص بها, كما يراعى ما هو منصوص عليه في المواد التالية. المادة (442)
بهذا النص يكون القانون المدني قد أحال الرجوع في تحديد مدد التقادم الى القوانين الخاصة .
وقد عرف القانون المدني العذر الشرعي بانه:
غياب صاحب الحق ومرضه المانع او كونه عديم الاهلية او ناقصها إذا لم يكن له ولي او وصي ويزول العذر بحضور او بلوغ القاصر رشيدا او زوال سبب انعدام الاهلية او نقصها إذا كان بالغا…. المادة (443)
ولعل المفهوم من نص المادة (443) التي ذكرت عقب المادة(442) المشار فيها الى الأحوال التي لا تسمع فيها الدعوى, انه إذا كان صاحب الحق الذي مضى الزمن لسماع دعوته صاحب عذر ممن حددهم النص, فانه يحق له بعد زوال العذر تقديم دعواه مطالبا بحقه, متمسكا بعذره الشرعي.

مدد التقادم المذكورة في قانون الاثبات:
لا تسمع الدعوى من ذي مهنة حاضر كالطبيب وغيره بحق من حقوق مهنته او مصروفات تكبدها في أدائه بعد مضي سنة من وقت أداء العمل. المادة (21) الاثبات
لا تسمع الدعوى من حاضر بعد مضي سنة من تاريخ الاستحقاق في الأحوال الاتية:
3- حقوق العمال والخدم والاجراء من أجور يومية وغير يومية او ثمن ما قاموا به من توريدات لمخدوميهم. المادة (22) ف الاثبات

وما نجده جلياً في المادتين سالفتي الذكر انهما لم تحددان إصابات العمل, ولكن المقنن ذكر تحديدا شاملاً لسائر الحقوق التي لم تذكر.

 نصت المادة (23) بصياغتها المعدلة بالقانون رقم (30) لسنة 1996م بقولها:
لا تسمع الدعوى من حاضر بسائر الحقوق التي لا تتعلق بعقار ولم يرد ذكرها في المواد الأربع السابقة بعد مضي خمس سنوات من تاريخ الاستحقاق مع عدم المطالبة …
وعليه فان الحقوق العمالية من أجور يومية وغير يومية, او ثمن ما قاموا به من توريدات لمخدوميهم قد شملتها المادة (21) لكنها أغفلت الحق في دعاوى إصابات العمل, وبالتالي تطبق المادة (23) على إصابات العمل, فهي من الحقوق غير المحددة في صلب المادة (23).


مقال قانوني حول جريمة التحويل الالكتروني غير المشروع للأموال في القانون اليمني




                       جريمة التحويل الالكتروني غير المشروع للأموال
د• عبدالمؤمن شجاع الدين
الاستاذ بكلية الشريعة والقانون -جامعة صنعاء
 أدى انتشار استخدام الكمبيوتر في كافة القطاعات والمجالات ومنها البنوك والشركات الى ظهور جريمة التحويل غير المشروع للأموال عن طريق استخدام جهاز الكمبيوتر، حيث يقوم الجاني بتحويل كل أو جزء من أرصدة الغير أو فوائدها الى حسابه الخاص، ويتم ذلك عن طريق إدخال بيانات غير صحيحة ومغلوطة الى جهاز الكمبيوتر، كالادعاء كذباً بوجود فواتير جاء ميعاد استحقاقها•
ونظراً للطبيعة الخاصة لهذه الجريمة ولغيرها من الجرائم التي تقع بواسطة الكمبيوتر فإن أغلب الدول المتقدمة قد أصدرت تشريعات خاصة بجرائم الكمبيوتر ومنها جريمة التحويل الالكتروني غير المشروع للأموال، ومن هذه الدول الولايات المتحدة الأمريكية حيث أصدر الكونجرس الأمريكي قانون التحايل المعلوماتي في 10/10/1984م، وفي هذا السياق أصدرت فرنسا في 6/1/1978م قانون المعلوماتية والحقوق الشخصية وعقب ذلك صدر مرسوم في 23/12/1981م بتحديد بعض الجرائم في مجال المعلوماتية ثم صدر في عام 1988م قانون حماية نظم المعالجة الآلية للبيانات وتم تعديل القانون الأخير في 1/3/1994م•
أما في الدول العربية ومنها بلادنا فقليلاً ما نجد نصوصاً كاملة تعالج جرائم الكمبيوتر، باستثناء سلطنة عمان التي صدر فيها المرسوم السلطاني رقم (72) لسنة 2001م بشأن تعديل بعض أحكام قانون الجزاء العماني، وقد شملت هذه التعديلات معالجة جرائم الحاسب الآلي (الكمبيوتر) وفي هذه التعديلات ورد نص المادة (176) الذي قضى أن >يعاقب بالسجن مدة لاتقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد عن سنتين وبغرامة ما بين 100 ريال و 500 ريال أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من تعمد استخدام الكمبيوتر في ارتكاب أحد الأفعال الآتية:
1- الالتقاط غير المشروع للمعلومات أو البيانات•
2- الدخول غير المشروع على أنظمة الحاسب الآلي•
3- التجسس والتصنت على البيانات والمعلومات•
4- انتهاك خصوصيات الغير أو التعدي على حقهم في الاحتفاظ بأسرارهم•
5- تزوير بيانات او وثائق مبرمجة أياً كان شكلها•
6- اتلاف وتغيير ومحو البيانات والمعلومات•
7- جمع المعلومات والبيانات وإعادة استخدامها•
8- تسريب المعلومات والبيانات•
9- التعدي على برامج الحاسب الآلي سواءً بالتعديل أو الاصطناع•
10- نشر واستخدام برامج الحاسب الآلي بما يشكل انتهاكاً لقوانين وحقوق الملكية الفكرية والأسرار التجارية<•
أما المادة (276) مكرر من القانون ذاته فقد نصت على أنه >يعاقب بالسجن مدة لاتزيد عن خمس سنوات وبغرامة لاتجاوز ألف ريال كل من:
1- قام بتقليد أو تزوير بطاقة من بطاقات الوفاء أو السحب•
2- استعمل أو حاول استعمال البطاقة المقلدة أو المزورة مع العلم بذلك•
3- قبل الدفع ببطاقة الوفاء المقلدة أو المزورة مع العلم بذلك<•
وفي السياق ذاته نصت المادة (277) على أنه >يعاقب بالسجن مدة لاتزيد عن ثلاث سنوات وبغرامة لاتتجاوز خمسمائة ريال كل من:
1- استخدم البطاقة كوسيلة للوفاء مع علمه بعدم وجود رصيد له•
2- استعمل البطاقة بعد انتهاء صلاحيتها أو إلغائها وهو عالم بذلك•
3- استعمل بطاقة الغير بدون علمه<•
هذا ما ورد في التعديلات التي جرت على قانون الجزاء العماني والتي استوعبت جرائم الكمبيوتر ومنها جريمة التحويل غير المشروع للأموال•
أما غالبية الدول العربية ومنها بلادنا فلا يوجد في قوانين عقوباتها نصوص خاصة بجرائم الكمبيوتر ومنها الجريمة محل دراستنا، ولكن ذلك لايعني بأي حال من الأحوال افلات الجناة من العقاب حيث تتم الملاحقة للجناة مرتكبي جرائم الكمبيوتر وفقاً للنصوص الجزائية في بعض القوانين كقانون حماية حق المؤلف أو قانون الملكية الفكرية أو عن طريق تطويع نصوص قانون العقوبات بحيث تندرج تحت هذه النصوص جرائم الكمبيوتر ومنها جريمة التحويل الالكتروني غير المشروع للأموال•
وعلى هذا الأساس وفي ظل عدم وجود نصوص صريحة بشأن جريمة التحويل الالكتروني غير المشروع للأموال يمكن القول بأن هذه الجريمة تتأرجح بين جريمتين فأحياناً تكيف على أساس أنها جريمة خيانة أمانة وفي بعض الأحوال تكيف على أساس أنها جريمة احتيال وذلك تبعاً للظروف التي تحيط بارتكابها ولذلك فإن الأمر يقتضي الإشارة الى ذلك وعلى النحو الآتي:

أولاً: تكييف جريمة التحويل الالكتروني غير المشروع للأموال على أنها من جرائم الاحتيال:
بيّن المشرع اليمني في المادة (310) عقوبات ماهية جرائم الاحتيال حيث نصت المادة المشار إليها على أنه >يعاقب بالحبس مدة لاتزيد عن ثلاث سنوات أو بالغرامة من توصل بغير حق الى الحصول على فائدة مادية لنفسه أو لغيره وذلك بالاستعانة بطرق احتيالية (نصب) أو استخدام اسم كاذب أو صفة غير صحيحة<•
فهذا النص يبين أركان جريمة الاحتيال وهي:
1¬- وقوع فعل من أفعال الاحتيال المذكورة في المادة السالف ذكرها•
2- الاستيلاء على نقود أو سندات أو أي متاع منقول•
3- قيام رابطة السببية بين الأمرين السابقين•
4- توفر القصد الجنائي•
وتبعاً لذلك وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار التحويل الالكتروني غير المشروع للأموال من جرائم الاحتيال، على أساس أن الجاني في هذه الجريمة يقوم باستخدام وسائل احتيالية كاتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة أو غير ذلك من وسائل الاحتيال بغرض الاستيلاء على أموال مملوكة للمجني عليه تتمثل في رصيد المجني عليه في البنك• ولكن هناك بعض الصعوبات في تكييف هذه الجريمة على أنها جريمة احتيال، ومن هذه الصعوبات أن جريمة الاحتيال يكون المجني عليه فيها شخصاً طبيعياً، أما جريمة التحويل الالكتروني غير المشروع للأموال فإن فعل الاحتيال فيها ينصب على آلة وليس على شخص طبيعي أو اعتباري ولذلك فإن التشريع المصري والفنلندي والألماني والدانمركي يشترط أن ينصب فعل الاحتيال على إنسان وليس آلة كما يشترط أن يكون هذا الانسان أو الشخص مسؤولاً عن تأمين وحماية البيانات والمعلومات• وعند شراح هذه القوانين لاتتوفر جريمة الاحتيال إذا انصب الاحتيال على جهاز الكمبيوتر•
أما التشريع الانجليزي والكندي والاسترالي والياباني والسويسري والهولندي فيذهب الى أن خداع الآلة (الكمبيوتر) بنيّة الغش المالي يعد من قبيل الاحتيال المعاقب عليه جنائياً، أما بالنسبة لمدى اعتبار الأموال الكتابية أو البنكية أموالاً مادية فقد اختلفت فيها التشريعات المقارنة الى مذهبين، الأول: وهو مذهب اليابان والمانيا حيث تنظر تشريعاتهما الى أن الأموال الكتابية لاتعد نقوداً أو مالاً مادياً وتبعاً لذلك فإن الاستيلاء عليها لايشكل جريمة احتيال، أما المذهب الثاني: وهو مذهب سويسرا وهولندا وانجلترا فيذهب الى أن الأموال الكتابية مع طابعها المعنوي إلا أن الاستيلاء عليها يعد من قبيل الاحتيال•
أما بالنسبة لمدى اشتراط أن يتسلم الجاني الأموال بالفعل الى يده حتى نكون بصدد جريمة تامة فإن القواعد العامة تقتضي أن جريمة الاحتيال تكون كاملة إذا استولى الجاني على الأموال التي سعى للاستيلاء عليها، ويمكن القول بأن استلام الجاني يتحقق بمجرد الانتهاء من عملية تغيير الأرصدة، ولا يشترط أن يستولي الجاني بالفعل على النقود الموجودة في أرصدة المجني عليه، ويرجع ذلك الى الطابع المعنوي للأموال الكتابية والتي يجب أن يوازيها التسليم المعنوي لهذه الأموال•

ثانياً: تكييف جريمة التحويل الالكتروني غير المشروع للأموال على أنها من جرائم خيانة الأمانة:
حيث يبيّن المشرع اليمني ماهية جريمة خيانة الأمانة في المادة (318) عقوبات التي تنص على أن >يعاقب بالحبس مدة لاتزيد عن ثلاث سنوات من ضم الى ملكه مالاً منقولاً مملوكاً للغير سُلم إليه بأي وجه<• وهذا النص مجمل عند مقارنته بنظيره في قانون العقوبات المصري، إذ نص المشرع المصري على جريمة خيانة الأمانة في المادة (341) عقوبات التي نصت على أن >كل من اختلس أو استعمل أو بدد مبالغ أو أمتعة أو بضائع أو نقوداً أو تذاكر أو كتابات أخرى مشتملة على تمسك أو مخالصة أو غير ذلك إضراراً بمالكيها أو أصحابها أو واضعي اليد عليها وكانت الأشياء المذكورة لم تسلم له إلا على وجه الوديعة أو الإيجار أو على سبيل عارية الاستعمال أو الرهن أو كانت سلمت له بصفته وكيلاً بأجرة أو مجاناً بقصد عرضها للبيع أو بيعها أو استعمالها في أمر معين لمنفعة المالك لها أو غيره يُحكم عليه بالحبس ويجوز أن يزاد عليه غرامة لاتتجاوز مائة جنيه مصري<•
ويظهر من سياق النصوص المتقدمة، التفصيل في النص العقابي المصري والإجمال في النص العقابي اليمني كما تظهر أركان جريمة خيانة الأمانة وهي:
1- تسليم المال الى الجاني بعقد من عقود الأمانة•
2- فعل مادي وهو اختلاس هذا المال أو تبديده أو استعماله استعمالاً يعد في حكم التبديد•
3- وقوع هذا الفعل على مال منقول للغير•
4- أن يلحق المجني عليه ضرر•
4- توفر القصد الجنائي•
وعند تطبيق هذه الأركان على جريمة التحويل الالكتروني غير المشروع للأموال نجد أنه يشترط لتطبيق أحكام جريمة خيانة الأمانة على جريمة التحويل الالكتروني غير المشروع للأموال شرطان:
الشرط الأول: أن يكون تسليم المال قد تم بناءً على عقد من عقود الأمانة الواردة على سبيل الحصر في النص المصري أما النص اليمني فلا يشترط ذلك لأن التسليم في النص اليمني يتحقق بأي وجه كما ورد في النص السالف ذكره•
الشرط الثاني: أن يتم الاستيلاء من جانب أحد العاملين بالبنك أو بالجهة المسلم إليها المال فإذا تم التحويل الالكتروني للأموال من شخص آخر فإن ذلك الفعل لايعد جريمة خيانة أمانة، ولكنه يعد من جرائم السرقة أو الاحتيال بحسب ظروف الحال• اما بالنسبة للركن الثاني من جريمة خيانة الأمانة وهو فعل الاختلاس أو التبديد أو الاستعمال، فان الاختلاس يتمثل في كل فعل يعبر به الشخص عن اضافة المال الى ملكه دون أن يخرجه من حيازته، ويتحقق ذلك في جريمة التحويل الالكتروني غير المشروع للأموال بأن يضيف موظف البنك رصيد العميل الى رصيده الشخصي•
وفي خاتمة المقال نجد أن الأمر يقتضي من المشرع اليمني أن يعالج الجرائم التي تقع بواسطة الكمبيوتر، ومنها جريمة التحويل الالكتروني غير المشروع للأموال، بنصوص صريحة في متن قانون الجرائم والعقوبات وأن يسلك في ذلك مسلك قانون الجزاء العماني•
فترك أمر التجريم والعقاب لاجتهاد المجتهدين له محاذيره الكثيرة، لاسيما في القانون الجنائي، كما أن الركون الى تكييف جرائم الكمبيوتر وإلحاقها بجرائم الاحتيال أو خيانة الأمانة يترتب عليه خروج كثير من جرائم الكمبيوتر من أي نص يتناولها بالتجريم والعقاب وتبعاً لذلك عدم امكانية توقيع العقوبة على أي من مرتكبيها•



مقال قانوني حول جريمة التحويل الالكتروني غير المشروع للأموال في القانون اليمني




                       جريمة التحويل الالكتروني غير المشروع للأموال
د• عبدالمؤمن شجاع الدين
الاستاذ بكلية الشريعة والقانون -جامعة صنعاء
 أدى انتشار استخدام الكمبيوتر في كافة القطاعات والمجالات ومنها البنوك والشركات الى ظهور جريمة التحويل غير المشروع للأموال عن طريق استخدام جهاز الكمبيوتر، حيث يقوم الجاني بتحويل كل أو جزء من أرصدة الغير أو فوائدها الى حسابه الخاص، ويتم ذلك عن طريق إدخال بيانات غير صحيحة ومغلوطة الى جهاز الكمبيوتر، كالادعاء كذباً بوجود فواتير جاء ميعاد استحقاقها•
ونظراً للطبيعة الخاصة لهذه الجريمة ولغيرها من الجرائم التي تقع بواسطة الكمبيوتر فإن أغلب الدول المتقدمة قد أصدرت تشريعات خاصة بجرائم الكمبيوتر ومنها جريمة التحويل الالكتروني غير المشروع للأموال، ومن هذه الدول الولايات المتحدة الأمريكية حيث أصدر الكونجرس الأمريكي قانون التحايل المعلوماتي في 10/10/1984م، وفي هذا السياق أصدرت فرنسا في 6/1/1978م قانون المعلوماتية والحقوق الشخصية وعقب ذلك صدر مرسوم في 23/12/1981م بتحديد بعض الجرائم في مجال المعلوماتية ثم صدر في عام 1988م قانون حماية نظم المعالجة الآلية للبيانات وتم تعديل القانون الأخير في 1/3/1994م•
أما في الدول العربية ومنها بلادنا فقليلاً ما نجد نصوصاً كاملة تعالج جرائم الكمبيوتر، باستثناء سلطنة عمان التي صدر فيها المرسوم السلطاني رقم (72) لسنة 2001م بشأن تعديل بعض أحكام قانون الجزاء العماني، وقد شملت هذه التعديلات معالجة جرائم الحاسب الآلي (الكمبيوتر) وفي هذه التعديلات ورد نص المادة (176) الذي قضى أن >يعاقب بالسجن مدة لاتقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد عن سنتين وبغرامة ما بين 100 ريال و 500 ريال أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من تعمد استخدام الكمبيوتر في ارتكاب أحد الأفعال الآتية:
1- الالتقاط غير المشروع للمعلومات أو البيانات•
2- الدخول غير المشروع على أنظمة الحاسب الآلي•
3- التجسس والتصنت على البيانات والمعلومات•
4- انتهاك خصوصيات الغير أو التعدي على حقهم في الاحتفاظ بأسرارهم•
5- تزوير بيانات او وثائق مبرمجة أياً كان شكلها•
6- اتلاف وتغيير ومحو البيانات والمعلومات•
7- جمع المعلومات والبيانات وإعادة استخدامها•
8- تسريب المعلومات والبيانات•
9- التعدي على برامج الحاسب الآلي سواءً بالتعديل أو الاصطناع•
10- نشر واستخدام برامج الحاسب الآلي بما يشكل انتهاكاً لقوانين وحقوق الملكية الفكرية والأسرار التجارية<•
أما المادة (276) مكرر من القانون ذاته فقد نصت على أنه >يعاقب بالسجن مدة لاتزيد عن خمس سنوات وبغرامة لاتجاوز ألف ريال كل من:
1- قام بتقليد أو تزوير بطاقة من بطاقات الوفاء أو السحب•
2- استعمل أو حاول استعمال البطاقة المقلدة أو المزورة مع العلم بذلك•
3- قبل الدفع ببطاقة الوفاء المقلدة أو المزورة مع العلم بذلك<•
وفي السياق ذاته نصت المادة (277) على أنه >يعاقب بالسجن مدة لاتزيد عن ثلاث سنوات وبغرامة لاتتجاوز خمسمائة ريال كل من:
1- استخدم البطاقة كوسيلة للوفاء مع علمه بعدم وجود رصيد له•
2- استعمل البطاقة بعد انتهاء صلاحيتها أو إلغائها وهو عالم بذلك•
3- استعمل بطاقة الغير بدون علمه<•
هذا ما ورد في التعديلات التي جرت على قانون الجزاء العماني والتي استوعبت جرائم الكمبيوتر ومنها جريمة التحويل غير المشروع للأموال•
أما غالبية الدول العربية ومنها بلادنا فلا يوجد في قوانين عقوباتها نصوص خاصة بجرائم الكمبيوتر ومنها الجريمة محل دراستنا، ولكن ذلك لايعني بأي حال من الأحوال افلات الجناة من العقاب حيث تتم الملاحقة للجناة مرتكبي جرائم الكمبيوتر وفقاً للنصوص الجزائية في بعض القوانين كقانون حماية حق المؤلف أو قانون الملكية الفكرية أو عن طريق تطويع نصوص قانون العقوبات بحيث تندرج تحت هذه النصوص جرائم الكمبيوتر ومنها جريمة التحويل الالكتروني غير المشروع للأموال•
وعلى هذا الأساس وفي ظل عدم وجود نصوص صريحة بشأن جريمة التحويل الالكتروني غير المشروع للأموال يمكن القول بأن هذه الجريمة تتأرجح بين جريمتين فأحياناً تكيف على أساس أنها جريمة خيانة أمانة وفي بعض الأحوال تكيف على أساس أنها جريمة احتيال وذلك تبعاً للظروف التي تحيط بارتكابها ولذلك فإن الأمر يقتضي الإشارة الى ذلك وعلى النحو الآتي:

أولاً: تكييف جريمة التحويل الالكتروني غير المشروع للأموال على أنها من جرائم الاحتيال:
بيّن المشرع اليمني في المادة (310) عقوبات ماهية جرائم الاحتيال حيث نصت المادة المشار إليها على أنه >يعاقب بالحبس مدة لاتزيد عن ثلاث سنوات أو بالغرامة من توصل بغير حق الى الحصول على فائدة مادية لنفسه أو لغيره وذلك بالاستعانة بطرق احتيالية (نصب) أو استخدام اسم كاذب أو صفة غير صحيحة<•
فهذا النص يبين أركان جريمة الاحتيال وهي:
1¬- وقوع فعل من أفعال الاحتيال المذكورة في المادة السالف ذكرها•
2- الاستيلاء على نقود أو سندات أو أي متاع منقول•
3- قيام رابطة السببية بين الأمرين السابقين•
4- توفر القصد الجنائي•
وتبعاً لذلك وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار التحويل الالكتروني غير المشروع للأموال من جرائم الاحتيال، على أساس أن الجاني في هذه الجريمة يقوم باستخدام وسائل احتيالية كاتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة أو غير ذلك من وسائل الاحتيال بغرض الاستيلاء على أموال مملوكة للمجني عليه تتمثل في رصيد المجني عليه في البنك• ولكن هناك بعض الصعوبات في تكييف هذه الجريمة على أنها جريمة احتيال، ومن هذه الصعوبات أن جريمة الاحتيال يكون المجني عليه فيها شخصاً طبيعياً، أما جريمة التحويل الالكتروني غير المشروع للأموال فإن فعل الاحتيال فيها ينصب على آلة وليس على شخص طبيعي أو اعتباري ولذلك فإن التشريع المصري والفنلندي والألماني والدانمركي يشترط أن ينصب فعل الاحتيال على إنسان وليس آلة كما يشترط أن يكون هذا الانسان أو الشخص مسؤولاً عن تأمين وحماية البيانات والمعلومات• وعند شراح هذه القوانين لاتتوفر جريمة الاحتيال إذا انصب الاحتيال على جهاز الكمبيوتر•
أما التشريع الانجليزي والكندي والاسترالي والياباني والسويسري والهولندي فيذهب الى أن خداع الآلة (الكمبيوتر) بنيّة الغش المالي يعد من قبيل الاحتيال المعاقب عليه جنائياً، أما بالنسبة لمدى اعتبار الأموال الكتابية أو البنكية أموالاً مادية فقد اختلفت فيها التشريعات المقارنة الى مذهبين، الأول: وهو مذهب اليابان والمانيا حيث تنظر تشريعاتهما الى أن الأموال الكتابية لاتعد نقوداً أو مالاً مادياً وتبعاً لذلك فإن الاستيلاء عليها لايشكل جريمة احتيال، أما المذهب الثاني: وهو مذهب سويسرا وهولندا وانجلترا فيذهب الى أن الأموال الكتابية مع طابعها المعنوي إلا أن الاستيلاء عليها يعد من قبيل الاحتيال•
أما بالنسبة لمدى اشتراط أن يتسلم الجاني الأموال بالفعل الى يده حتى نكون بصدد جريمة تامة فإن القواعد العامة تقتضي أن جريمة الاحتيال تكون كاملة إذا استولى الجاني على الأموال التي سعى للاستيلاء عليها، ويمكن القول بأن استلام الجاني يتحقق بمجرد الانتهاء من عملية تغيير الأرصدة، ولا يشترط أن يستولي الجاني بالفعل على النقود الموجودة في أرصدة المجني عليه، ويرجع ذلك الى الطابع المعنوي للأموال الكتابية والتي يجب أن يوازيها التسليم المعنوي لهذه الأموال•

ثانياً: تكييف جريمة التحويل الالكتروني غير المشروع للأموال على أنها من جرائم خيانة الأمانة:
حيث يبيّن المشرع اليمني ماهية جريمة خيانة الأمانة في المادة (318) عقوبات التي تنص على أن >يعاقب بالحبس مدة لاتزيد عن ثلاث سنوات من ضم الى ملكه مالاً منقولاً مملوكاً للغير سُلم إليه بأي وجه<• وهذا النص مجمل عند مقارنته بنظيره في قانون العقوبات المصري، إذ نص المشرع المصري على جريمة خيانة الأمانة في المادة (341) عقوبات التي نصت على أن >كل من اختلس أو استعمل أو بدد مبالغ أو أمتعة أو بضائع أو نقوداً أو تذاكر أو كتابات أخرى مشتملة على تمسك أو مخالصة أو غير ذلك إضراراً بمالكيها أو أصحابها أو واضعي اليد عليها وكانت الأشياء المذكورة لم تسلم له إلا على وجه الوديعة أو الإيجار أو على سبيل عارية الاستعمال أو الرهن أو كانت سلمت له بصفته وكيلاً بأجرة أو مجاناً بقصد عرضها للبيع أو بيعها أو استعمالها في أمر معين لمنفعة المالك لها أو غيره يُحكم عليه بالحبس ويجوز أن يزاد عليه غرامة لاتتجاوز مائة جنيه مصري<•
ويظهر من سياق النصوص المتقدمة، التفصيل في النص العقابي المصري والإجمال في النص العقابي اليمني كما تظهر أركان جريمة خيانة الأمانة وهي:
1- تسليم المال الى الجاني بعقد من عقود الأمانة•
2- فعل مادي وهو اختلاس هذا المال أو تبديده أو استعماله استعمالاً يعد في حكم التبديد•
3- وقوع هذا الفعل على مال منقول للغير•
4- أن يلحق المجني عليه ضرر•
4- توفر القصد الجنائي•
وعند تطبيق هذه الأركان على جريمة التحويل الالكتروني غير المشروع للأموال نجد أنه يشترط لتطبيق أحكام جريمة خيانة الأمانة على جريمة التحويل الالكتروني غير المشروع للأموال شرطان:
الشرط الأول: أن يكون تسليم المال قد تم بناءً على عقد من عقود الأمانة الواردة على سبيل الحصر في النص المصري أما النص اليمني فلا يشترط ذلك لأن التسليم في النص اليمني يتحقق بأي وجه كما ورد في النص السالف ذكره•
الشرط الثاني: أن يتم الاستيلاء من جانب أحد العاملين بالبنك أو بالجهة المسلم إليها المال فإذا تم التحويل الالكتروني للأموال من شخص آخر فإن ذلك الفعل لايعد جريمة خيانة أمانة، ولكنه يعد من جرائم السرقة أو الاحتيال بحسب ظروف الحال• اما بالنسبة للركن الثاني من جريمة خيانة الأمانة وهو فعل الاختلاس أو التبديد أو الاستعمال، فان الاختلاس يتمثل في كل فعل يعبر به الشخص عن اضافة المال الى ملكه دون أن يخرجه من حيازته، ويتحقق ذلك في جريمة التحويل الالكتروني غير المشروع للأموال بأن يضيف موظف البنك رصيد العميل الى رصيده الشخصي•
وفي خاتمة المقال نجد أن الأمر يقتضي من المشرع اليمني أن يعالج الجرائم التي تقع بواسطة الكمبيوتر، ومنها جريمة التحويل الالكتروني غير المشروع للأموال، بنصوص صريحة في متن قانون الجرائم والعقوبات وأن يسلك في ذلك مسلك قانون الجزاء العماني•
فترك أمر التجريم والعقاب لاجتهاد المجتهدين له محاذيره الكثيرة، لاسيما في القانون الجنائي، كما أن الركون الى تكييف جرائم الكمبيوتر وإلحاقها بجرائم الاحتيال أو خيانة الأمانة يترتب عليه خروج كثير من جرائم الكمبيوتر من أي نص يتناولها بالتجريم والعقاب وتبعاً لذلك عدم امكانية توقيع العقوبة على أي من مرتكبيها•