بحث حول الدية المغلظة



بحث حول الدية المغلظة
مفهوم الدية:-
هي المال الواجب بجناية في نفس أوفيما دونها وأصلها ودية مشتقة من الودي وهو رفع الدية؟
أو هي المال الواجب بجناية في نفس أو طرف
أما الدية في كتب الفقه: فقد ذكر الزيلعي مسائل كتاب الديات بعد كتاب الجنايات لأن الدية أحد موجبي الجناية في الأذمي ، ولكن لما كان القصاص أعلاهما وأقواهما قدمه .
وبالرغم من معرفتنا لمفهوم لدية إلا أن هناك غموض حول الدية المغلظة متى تجب وكم مقدارها وما معنى التغليظ وماهي الجرائم التي تكون عقوبتها دية مغلظة .
سنحاول الكلام والبحث سنبحث فيه عن الدية المغلظة في الشريعة الإسلامية وما تكلم عنه فقهاء الشريعة في ذلك .
·            المطلب الثاني- سنحاول فيه الكلام والبحث عن الدية المغلظة عند فقهاء القانون .
·            المطلب الأول:- [[الدية المغلظة عند فقهاء الشريعة]]
أولاً:- دية القتل العمد : تغلظ الدية في القتل العمد إذا قبلت بأن حصل عفو عن الجريمة أو تعد لقصاص لفقد المماثلة فتكون أرباعا : لأن الفقهاء اختلفوا في هذا التغليظ للدية
(بيان المقدار الواجب من كل جنس وبيان صفته )
الخيار في سداد الدية بين الإبل أو الذهب أو الورق ترجع إلى القاتل لأن هو الذي تجب عليه فيكون الخيار إلية .
ولا خلاف في الواجب بقتل الذكر عمدا مائه من الإبل لقوله "ص" [[ في النفس المؤمنة مائة من الإبل]] صدق رسول الله
حديث يحيي عن مالك أن لأبن شهاب كان يقول في دية العمد إذا قبلنا خمس وعشرون بنت مخاض ، وخمس وعشرون بنت لبون ، وخمس وعشرون حقه وخمس وعشرون جذعه – يريد أنها أرباع فتعلق التغليظ للعمد بالزيادة في السن دون العدد .
قال الشافعي :- دية العمد أثلاثا كدية التغليظ ومثله رواية عن أحمد وبه قال عطاء .
·       وقد أجمع أهل العلم أن دية العمد تجب في مال القاتل لاتحملها العاقله وهذا قياسا على أن بدل المتلف يجب على المتلف وأرش الجناية يجب على الجاني وهذه الدية تجب حلة وبهذا قال مالك والشافعي وابن حنبل وقال أبو حنيفة تجب في ثلاث سنين لأنها دية أدمي فكانت مؤجلة كدية شبة العمد ولا خلاف في أن الواجب من الذهب ألف دينار .
وأما الواجب من الفضة فقد اختلف فيه : قال الحنفية عشرة ألاف درهم وزنا وزن سبعة وبناها أبو حنيفة على نصاب الزكاة .
وقال مالك والشافعي : أثنا عشر ألفاً
د/أحمد فتحي بهشي /الدية الإسلامية ص 88,87،68
د/ عبد الكريم زيدان والقصاص والديات في الشريعة الإسلامية ص 209،208,197
وقد قرر الفقهاء بالنسبة لدية العمد أمرين .
أحدهما : أنها تجب على الجاني دون عاقلته لأنه مسؤل عما يفعل ولأنه أتلف نفسا ولأنه الجاني وحده .

ثانياً:- أن دية العمد تجب حاله مؤجل وذلك لأن الدية في العمد قائمة مقام القصاص والقصاص يتنفذ حالا فتكون الدية : أيضا حاله لأن التأجيل القصد منه التخفيف على الجاني وحالة لا تؤجب التخفيف بل تؤجب الغلظة والشدة
الأمام أبو زهرة /العقوبة /ص 580 ،581
وفي جميع الأحوال قتل العمد التي تجب فيها الدية دون القصاص تكون تلك الدية مغلظة
د/بهيشي / المرجع السابق ص 151
ثانيا: دية شبه العمد:
أما دية شبه العمد فقد اتفقوا على انها .... العمد من حيث الاسنان ودية شبه العمد تكون نتيجة للقتلى لا للعفو عند جميع الفقهاء.
ويجب التنبيه إلى أمرين:
تفقترق فيها دية شبه العمد عن دية العمد أولهما : أن دية العمد تجب على القاتل أما دية شبه العمد تجب على العاقلة وذلك لأن العمد فيه غير كامل فكان على العاقلة ان تفا... تخفيفاً له وهذا رأي جمهور الفقهاء وأكثر التابعين وحجتهم ما ورد في الأثر بين ان امرأتين اقتتلتا فرمت احداهما الأخرى فقتلتها وما في بطنها فقضى رسول الله " صلى الله عليه وسلم" بدية المرأة " على عاقلتها".
ثانيا:
أن هذا القتل فيه نوع خطأ ولذلك سماه النبي صلى الله عليه وسلم خطأ العمد والجانب فيه كانت الدية على العاقلة والجانب العمد كانت دية مغلظة الأمر لقائي الذي تختلف فيه شبه العمد هو تأجيل الدية ثلاث سنين وذلك ليلاحظ جانب الخطأ فيه.
د. بهني الامام أبو زهر/ المرجع السابق- صـ 89-581
وبما ذكره الدكتور أحمد فتحي بهمشي في كتابه "العقوبة " حيث نص بقوله( أما إذا كان القتل شبه العمد فهولا لا يوجب القصاص بل فيه دية مغلظة وذلك لأنه لا يكون الغالب فيه الهلاك أي أن الجاني لا يتوفر القصد الجنائي للفصل).
اختلاف الفقهاء في هذا التغليظ عند ابي حنيفة وابي يوسف دية شبه العمد مائة من الأبل ارباعاً من بنت مغاض الى جذعة فعنده التغليظ في اسنان الابل خاصة دون عددها على التفصيل الآتي:
خمسة وعشرون بنت مخاض هي التي طعنت في السنة الثانية.
خمسة وعشرون بنت لبون في السنة الثالثة من عمرها.
خمسة وعشرون حقه في الرابعة من عمرها.
خمسة وعشرون خدعة في الخامسة من عمرها واحتجوا بحديث ال.... بن بشير الذي ورد فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في وسلم قال في حجة الوداع الا أن قتل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر فيه دية مغلظة مائة من الابل اربعون منها ثنية الى بازل وامها كلهن خلفه.
ولانه لا خلاف أن التغليظ فيه واجب الشبهة العمد.
3- مضي التغليظ يتحقق بإيجاب سن لا يجب فيه الخطأ.
وقال ابو ثور لديان كلها اخماس الدية الخطأ لانها بدل متلف فلا تختلف بالعمد ا... الم...ةحكى عنه أن دية العمد مغلظة ودية شبه العمد والخطأ اخماس لأنه شبه العمد تحملة العاقلة فكان اخماس الدية الخطأ.
وفي شبه العمد قال محمد الشافعي تجب اثلاثاً في شبه العمد.
ثلاثون حقه.
ثلاثون جذعة اربعون ثنية في بطونها اولادها " كلها خلفه".
واحتجوا بالحديث السابق.
وما اورده الشافعي ومحمد غير ثابت لأن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في صفة التغليظ فمذهب ابن مسعود رضي الله عنه ارباعاً ومذهب علي ابن ابي طالب رضي الله عنه اثلاثاً ثلاثون حقه وثلاثون جذعة واربعة وثلاثون خلفه.
اذا ما تعارضت الاخبار كان الأخذ بالمتبقين به وهو الأدنى اولى .
وقد ورد القاضي محمد بن احمد القرضي في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد " كتاب الديان صـ 730 ما نصه:
( وأما قدرها ونوعها فإنهم اتفقوا على أن دية الحر المسلم على اهل الابل مئة من الابل وهي مذهب مالك ثلاث اديان دية الخطأ ودية العمد شبه العمد.
واما أبو حنيفة فالديان عنده اثنان وايضا دية الخطأ ودية شبه العمد وليس عنده دية في العمد وانما الواجب عنده ارباع خمس وعشرون بنت مخاض وخمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون حقه وخمسة وعشرون جذعة وهو قول ابن شهاب وربيعة.
والدية المغلظة





طريقة إثبات الجنون امام القضاء



طريقة إثبات الجنون

يعد الجنون حالة نفسية وعقلية داخلية تأتي نتيجة لاضطراب نفسي وعقلي يفقد  الشخص المصاب توازنه  في قياس الأمور والأشياء فيتصرف  بما لا ياتية الإنسان العادي  . ولما كان للجنون علامات خارجية قد يستدل عليه من خلالها  وهي كثيرة  لا أنها لا تصلح ان تكون هي الوحيدة في إثبات الجنون  وخاصة انه قد يصطنع شخص الجنون والمظاهر التي تدل عليه  لكي يتهرب من الالتزامات المدنية والمسؤوليات الجنائية   باعتبار الجنون حالة داخلية أصلا  ومع التطورات العلمية الهائلة في العلوم الطبية  والتقنية  أصبح القول بان للقاضي  حرية الحكم بجنون الشخص مستدلا با أي من وسائل الإثبات  ضرب من المبالغة والوهم والخيال والتعصب الغير مبرر الى الاتجاهات  القديمة التي تعطي القاضي كل الحرية في تقدير الدعوى والحكم فيها  باعتبار ان القاضي هو الخبير الاول والأخير وان كل ما دون ذلك للقاضي حرية تركه او الأخذ به وسوف نبين في هذا المطلب كيفية أثبات الجنون :
لم يتضمن القانون المدني نصوصا توضح كيفية إثبات الجنون فقد ترك حرية إثباته للقاضي من خلال استرشاده بالمظاهر الخارجية وما يثبت أمامه بوسائل الإثبات المنصوص عليها في قانون الإثبات المادة(13) التي تنص بأن طرق الإثبات هي "1- شهادة الشهود 2 - الإقرار 3- الكتابة 4- اليمين وردعا والنكول عنها 5- القرائن الشرعية والقضائية 6- المعاينة "النظر" 7- تقرير الخبير 8- استجواب الخصم".
فيجوز لمن أراد الإثبات أي واقعة أن يثبتها بأي طريقة من هذه الطرق وكما أشرنا والان الجنون حالة لها أثار قانونية على الشخص المصاب وعلى غيره فإن في إثباتها ضرورة لكي يتسنى للقاضي بأن يحدد الوضع القانوني للشخص المجنون.
وباعتبار الجنون والأمراض العقلية الأخرى هي أمراض نفسية وعقلية فتدق في حالات كثيره حسب نوع الجنون ودرجة خطورته فلا يستطيع القاضي تبيان الحالة الحقيقة للشخص المريض لأن القاضي غير مختص في هذه الحالات فكان لابد من الاستعانة بأهل الخبرة .
قال تعالى: "َاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ" (1)
والمقصود بأهل الذكر في الآية هم أهل الخبرة في كل جوانب الحياة التي تتطلب رأي خبير الشرعية منها والعلمية ولا يقتصر عمل أهل الخبرة على جانب دون أخر قال تعالى "وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ" (2)فالخبرة مطلوبة لحسم أي خلاف أو نزاع أو شك دار حول أمر معين في كل المسائل الجنائية والمدنية وبالأخص في العمل القضائي 
لخطورة الأحكام القضائية بحيث يجب أن تكون على قدر كبير من الصحة والواقعية ولا تعتمد عن مجرد الرأي الذي لا يستند إلى الأسس العلمية فالخبرة أصبحت اليوم هي من هم وسائل الإثبات وخاصة في ظل الثورة العلمية الهائلة التي غيرت الكثير من الحقائق والمسلمات التي كان الكثيرين يعدها مستحيلة التغير فبطريق الخبرة ويتوصل إلى حل الكثير من الأسرار العلمية والظواهر التي ظلت لقرون لا يعرف عنها الإنسان شيء.
وأن إغفال القانون المدني النص على إثبات حالة الجنون طبياً هو نقض تشريعي واضح  ومعيب لا يبرر إلا بأن المشرع لا يواكب التطور .... أو لأنه قد يشكك بكفاءة ومصداقية التقارير الطبية ومع إغفال القانون المدني لذلك الا انه وردت في صلب القوانين الأخرى على ان الخبرة هي أحد وسائل الإثبات كما ورد في قانون الإثبات المادة(165) بقولها: (على المحكمة في المسائل الفنية كمسائل الطب والهندسة والحساب وغيرها مما يدق فهمه أن يعين خبيراً "عدلاً" أو أكثر من المؤهلين علمياً وفنياً أو ممن لهم خبرة خاصة المشهورين بذلك لتستعين بهم في كشف الغامض من هذه المسائل مما يفيد إثبات الواقعة المراد إثباتها ...الخ)

ــــــــــــــــــــــ
1  -سورة النحل – الآية 43
2-سورة فاطر – الآية 14



فالمادة أوجبت على المحكمة في المسائل الفنية أن تعين خبيرا أو أكثر وذلك بقولها "على المحكمة" فالأمر هنا وجوبي بحيث يجب على القاضي الاستجابة لطلب أطراف الدعوى بإحالة الشخص المشكوك بحالة أو المريض مرض عقلي للطبيب المختص لإثبات حالة الجنون من عدمها واثبات مدى الحالة العقلية والوقت الذي بدأ معه حالة الجنون وهل هي حالة جنون منطبق أو مؤقت إلا غير ذلك من الحالات التي يرتب عليها القانون أثر بالغ حيث أن لحالة الجنون بداية تبدأ منها فالجنون الأصلي هو الذي جاء مع الخلقة فيكون الشخص في حالة غفله وخلل من ساعة مولد وملازم له في كل أطوار حياته, هذا الجنون قد لا يحتاج إلى إثبات بداية الجنون ومن الحالات الأخرى الجنون الطارئ و جنون مطبق – أو جزئي- ومتقطع في هذه الحالات يدق معرفة متى ابتدأ المرض ولا يعرف ذلك إلا بالاستعانة بخبير ورأى الطبيب المختص الذي يقدر متى ابتدأ الجنون ومتىانتهى واثبات كل ما يتعلق به  وإثباته.
فقد ورد في قانون الأحوال الشخصية المادة(475) عند تعداد عيوب الزواج كيفية إثبات العيب (والجنون إحداها) بقولها:(.... ويثبت العيب أما بالإقرار من هو موجود به أو بتقرير من طبيب مختص ).
ومن الطبيعي فإن إقرار المجنون لا يصح فلا يعقل أن يأتي شخص ويقر بأنه مجنون وبالتالي يجب الاستعانة بطبيب  مختص لبيان الحالة وحسب قواعد التفسير في القانون المدني باعتباره أصل القوانين الخاصة لبيان  النص المراد تطبيقه على الواقعة فإنه في حالة عدم وجود النص في القانون ينطبق على الواقعة فإنه يطبق النص الموجود في القوانين الأخرى التي تنطبق على نفس الواقعة والحالة, وبما أن قانون الأحوال الشخصية هو من القوانين الخاصة والذي يعد القانون المدني أصلها فإنه يرجع إليه في عدم وجود النص في فروع القانون الخاص او غيره من القوانين سواء المدينة منها أو الجنائية أوفي أي قانون من المنظومة القانونية التي تحكم الواقعة والاستعانة بالخبير أو الخبرة هي أساس لتكوين عقيدة القاضي في الدعوى وقد تحتاج لتكوين عقيدته هذه مسائل فنية لا يتسع عمله ليتعرف عليهاولا وقته .
وحيث جاء في المادة (334/أ.ج) (للمحكمة ان تستعين بخبير او أكثر في مسألة فنية يدق فهمها ويبدي الخبير رائية في تقرير مكتوب موقع علية منه) إذا ففي المسائل ذات الطابع الفني البحت والتي لا تستطيع  المحكمة ان تشق طريقها لإبداء الراى فيه فالمحكمة بالنسبة لهذه المسائل ملزمة بندب خبير حتى ولو سكت الدفاع عن طلب دعوة أهل الخبرة وإذا قدم الخبير تقريره فيما طلب منه وابدءا الراى فيه فانه يصبح من بين الأدلة المطروحة للمناقشة أمام المحكمة ويكون محل لتقديرها فان شاءت أخذت بنتيجته وان أرادت طرحته وان تعددت تقارير الخبراء فانها تفاضل بينها وتأخذ منها ما تراه وتطرح ما عداه وهي غير ملزمة بندب خبير ان كان هناك تعارض بين تقريرين ( الشك يفسر لصالح المتهم او المدين) لكن هذا القول في المسائل الجنائية يعارض القول بوجوب الاستعانة بالخبير في المسائل الفنية الدقيقة والقول بحرية القاضي بالأخذ والترك لان القول بالأخذ والترك وتخير القاضي بينهما يفقد الأمر وجوبه وغايته لأنه وحسب القاعدة المعمول بها في القانون اليمني هي ان القاضي له كامل السلطة في تقدير حالة المتهم او الشخص بما يستمد في هذا الشأن من أقواله وإجاباته أمامه وبما يراه من وقائع الدعوى وظروفها , على ان من الأحكام الصادرة عن المحكمة العليا ما يؤكد ان سلطة المحكمة هنا ليست مطلقة فلابد ان يكون قرار المحكمة بصدد حالة المتهم سائغا عقلا وقانونيا ومتفقا مع حقيقة الواقع (1) وأيا يكن الراى فان الاستعانة بالخبير في تقرير مسالة الجنون  هو من المسائل الفنية لابد منها للقاضي المدني او الجنائي  لتقرير كل ما يتعلق بحالة الشخص او المتهم  من حيث الوقت الذي ابتداء فيه الجنون والوقت الذي انتهى  فيه ودرجته وكل ما يتعلق به .

طريقة إثبات الجنون امام القضاء



طريقة إثبات الجنون

يعد الجنون حالة نفسية وعقلية داخلية تأتي نتيجة لاضطراب نفسي وعقلي يفقد  الشخص المصاب توازنه  في قياس الأمور والأشياء فيتصرف  بما لا ياتية الإنسان العادي  . ولما كان للجنون علامات خارجية قد يستدل عليه من خلالها  وهي كثيرة  لا أنها لا تصلح ان تكون هي الوحيدة في إثبات الجنون  وخاصة انه قد يصطنع شخص الجنون والمظاهر التي تدل عليه  لكي يتهرب من الالتزامات المدنية والمسؤوليات الجنائية   باعتبار الجنون حالة داخلية أصلا  ومع التطورات العلمية الهائلة في العلوم الطبية  والتقنية  أصبح القول بان للقاضي  حرية الحكم بجنون الشخص مستدلا با أي من وسائل الإثبات  ضرب من المبالغة والوهم والخيال والتعصب الغير مبرر الى الاتجاهات  القديمة التي تعطي القاضي كل الحرية في تقدير الدعوى والحكم فيها  باعتبار ان القاضي هو الخبير الاول والأخير وان كل ما دون ذلك للقاضي حرية تركه او الأخذ به وسوف نبين في هذا المطلب كيفية أثبات الجنون :
لم يتضمن القانون المدني نصوصا توضح كيفية إثبات الجنون فقد ترك حرية إثباته للقاضي من خلال استرشاده بالمظاهر الخارجية وما يثبت أمامه بوسائل الإثبات المنصوص عليها في قانون الإثبات المادة(13) التي تنص بأن طرق الإثبات هي "1- شهادة الشهود 2 - الإقرار 3- الكتابة 4- اليمين وردعا والنكول عنها 5- القرائن الشرعية والقضائية 6- المعاينة "النظر" 7- تقرير الخبير 8- استجواب الخصم".
فيجوز لمن أراد الإثبات أي واقعة أن يثبتها بأي طريقة من هذه الطرق وكما أشرنا والان الجنون حالة لها أثار قانونية على الشخص المصاب وعلى غيره فإن في إثباتها ضرورة لكي يتسنى للقاضي بأن يحدد الوضع القانوني للشخص المجنون.
وباعتبار الجنون والأمراض العقلية الأخرى هي أمراض نفسية وعقلية فتدق في حالات كثيره حسب نوع الجنون ودرجة خطورته فلا يستطيع القاضي تبيان الحالة الحقيقة للشخص المريض لأن القاضي غير مختص في هذه الحالات فكان لابد من الاستعانة بأهل الخبرة .
قال تعالى: "َاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ" (1)
والمقصود بأهل الذكر في الآية هم أهل الخبرة في كل جوانب الحياة التي تتطلب رأي خبير الشرعية منها والعلمية ولا يقتصر عمل أهل الخبرة على جانب دون أخر قال تعالى "وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ" (2)فالخبرة مطلوبة لحسم أي خلاف أو نزاع أو شك دار حول أمر معين في كل المسائل الجنائية والمدنية وبالأخص في العمل القضائي 
لخطورة الأحكام القضائية بحيث يجب أن تكون على قدر كبير من الصحة والواقعية ولا تعتمد عن مجرد الرأي الذي لا يستند إلى الأسس العلمية فالخبرة أصبحت اليوم هي من هم وسائل الإثبات وخاصة في ظل الثورة العلمية الهائلة التي غيرت الكثير من الحقائق والمسلمات التي كان الكثيرين يعدها مستحيلة التغير فبطريق الخبرة ويتوصل إلى حل الكثير من الأسرار العلمية والظواهر التي ظلت لقرون لا يعرف عنها الإنسان شيء.
وأن إغفال القانون المدني النص على إثبات حالة الجنون طبياً هو نقض تشريعي واضح  ومعيب لا يبرر إلا بأن المشرع لا يواكب التطور .... أو لأنه قد يشكك بكفاءة ومصداقية التقارير الطبية ومع إغفال القانون المدني لذلك الا انه وردت في صلب القوانين الأخرى على ان الخبرة هي أحد وسائل الإثبات كما ورد في قانون الإثبات المادة(165) بقولها: (على المحكمة في المسائل الفنية كمسائل الطب والهندسة والحساب وغيرها مما يدق فهمه أن يعين خبيراً "عدلاً" أو أكثر من المؤهلين علمياً وفنياً أو ممن لهم خبرة خاصة المشهورين بذلك لتستعين بهم في كشف الغامض من هذه المسائل مما يفيد إثبات الواقعة المراد إثباتها ...الخ)

ــــــــــــــــــــــ
1  -سورة النحل – الآية 43
2-سورة فاطر – الآية 14



فالمادة أوجبت على المحكمة في المسائل الفنية أن تعين خبيرا أو أكثر وذلك بقولها "على المحكمة" فالأمر هنا وجوبي بحيث يجب على القاضي الاستجابة لطلب أطراف الدعوى بإحالة الشخص المشكوك بحالة أو المريض مرض عقلي للطبيب المختص لإثبات حالة الجنون من عدمها واثبات مدى الحالة العقلية والوقت الذي بدأ معه حالة الجنون وهل هي حالة جنون منطبق أو مؤقت إلا غير ذلك من الحالات التي يرتب عليها القانون أثر بالغ حيث أن لحالة الجنون بداية تبدأ منها فالجنون الأصلي هو الذي جاء مع الخلقة فيكون الشخص في حالة غفله وخلل من ساعة مولد وملازم له في كل أطوار حياته, هذا الجنون قد لا يحتاج إلى إثبات بداية الجنون ومن الحالات الأخرى الجنون الطارئ و جنون مطبق – أو جزئي- ومتقطع في هذه الحالات يدق معرفة متى ابتدأ المرض ولا يعرف ذلك إلا بالاستعانة بخبير ورأى الطبيب المختص الذي يقدر متى ابتدأ الجنون ومتىانتهى واثبات كل ما يتعلق به  وإثباته.
فقد ورد في قانون الأحوال الشخصية المادة(475) عند تعداد عيوب الزواج كيفية إثبات العيب (والجنون إحداها) بقولها:(.... ويثبت العيب أما بالإقرار من هو موجود به أو بتقرير من طبيب مختص ).
ومن الطبيعي فإن إقرار المجنون لا يصح فلا يعقل أن يأتي شخص ويقر بأنه مجنون وبالتالي يجب الاستعانة بطبيب  مختص لبيان الحالة وحسب قواعد التفسير في القانون المدني باعتباره أصل القوانين الخاصة لبيان  النص المراد تطبيقه على الواقعة فإنه في حالة عدم وجود النص في القانون ينطبق على الواقعة فإنه يطبق النص الموجود في القوانين الأخرى التي تنطبق على نفس الواقعة والحالة, وبما أن قانون الأحوال الشخصية هو من القوانين الخاصة والذي يعد القانون المدني أصلها فإنه يرجع إليه في عدم وجود النص في فروع القانون الخاص او غيره من القوانين سواء المدينة منها أو الجنائية أوفي أي قانون من المنظومة القانونية التي تحكم الواقعة والاستعانة بالخبير أو الخبرة هي أساس لتكوين عقيدة القاضي في الدعوى وقد تحتاج لتكوين عقيدته هذه مسائل فنية لا يتسع عمله ليتعرف عليهاولا وقته .
وحيث جاء في المادة (334/أ.ج) (للمحكمة ان تستعين بخبير او أكثر في مسألة فنية يدق فهمها ويبدي الخبير رائية في تقرير مكتوب موقع علية منه) إذا ففي المسائل ذات الطابع الفني البحت والتي لا تستطيع  المحكمة ان تشق طريقها لإبداء الراى فيه فالمحكمة بالنسبة لهذه المسائل ملزمة بندب خبير حتى ولو سكت الدفاع عن طلب دعوة أهل الخبرة وإذا قدم الخبير تقريره فيما طلب منه وابدءا الراى فيه فانه يصبح من بين الأدلة المطروحة للمناقشة أمام المحكمة ويكون محل لتقديرها فان شاءت أخذت بنتيجته وان أرادت طرحته وان تعددت تقارير الخبراء فانها تفاضل بينها وتأخذ منها ما تراه وتطرح ما عداه وهي غير ملزمة بندب خبير ان كان هناك تعارض بين تقريرين ( الشك يفسر لصالح المتهم او المدين) لكن هذا القول في المسائل الجنائية يعارض القول بوجوب الاستعانة بالخبير في المسائل الفنية الدقيقة والقول بحرية القاضي بالأخذ والترك لان القول بالأخذ والترك وتخير القاضي بينهما يفقد الأمر وجوبه وغايته لأنه وحسب القاعدة المعمول بها في القانون اليمني هي ان القاضي له كامل السلطة في تقدير حالة المتهم او الشخص بما يستمد في هذا الشأن من أقواله وإجاباته أمامه وبما يراه من وقائع الدعوى وظروفها , على ان من الأحكام الصادرة عن المحكمة العليا ما يؤكد ان سلطة المحكمة هنا ليست مطلقة فلابد ان يكون قرار المحكمة بصدد حالة المتهم سائغا عقلا وقانونيا ومتفقا مع حقيقة الواقع (1) وأيا يكن الراى فان الاستعانة بالخبير في تقرير مسالة الجنون  هو من المسائل الفنية لابد منها للقاضي المدني او الجنائي  لتقرير كل ما يتعلق بحالة الشخص او المتهم  من حيث الوقت الذي ابتداء فيه الجنون والوقت الذي انتهى  فيه ودرجته وكل ما يتعلق به .